أحداث ولادة النبيّ محمّد من مخطوطة “عرف التعريف بالمولد الشريف”

نقدّم لكم في هذا المقال الأحداث التي رافقت حمل والدة النبيّ محمّد ﷺ به وولادته، كما وردت في كتاب "عرف التعريف بالمولد الشريف" للعلّامة ابن الجزريّ (1350-1429 م).

من مخطوطة عرف التعريف بالمولد الشريف، 1723، مجموعة يهودا، المكتبة الوطنيّة

من مخطوطة عرف التعريف بالمولد الشريف، 1723، مجموعة يهودا، المكتبة الوطنيّة

مخطوطة عرف التعريف بالمولد الشريف للعلّامة وشيخ القرّاء شمس الدين محمدّ بن محمّد المعروف بابن الجزريّ، هي من الكتب الهامّة التي نقل الكثير من الأئمّة كالحافظ السيوطي من ما ورد فيها (تُرجمت إلى الفارسيّة كذلك)، وتروي تفاصيل من سيرة النبيّ محمد تدلّ على عظمته ومكانته النوريّة الرفيعة، وبشكلٍ خاصٍّ أحداث ولادته. وكان هذا الكتاب يُقرأ في المسجد الحرام، وكذلك أمام أعدادٍ غفيرة من المحتفلين بذكرى مولد النبيّ في منطقة الشِّعب في مكّة حيث وُلِد الرسول.

وكما يروي ابن الجزريّ في كتابه، كان حمل والدة النبيّ به خفيفًا لم تشعر به، ولا وجدت له ثقلًا كما تجد النساء عادةً. وقد روت أنّ “آتٍ” جاءها وهي بين النوم واليقظة، دون أن تحدّد طبيعة هذا الذي أتاها، وسألها: “هل شعرتِ أنّك حَملتِ؟”، فقالت بأنّها لا تدري، فقال لها إنّها حملت بسيّد هذه الأمّة ونبيّها. وحين اقترب موعد ولادتها، جاءها مجدّدًا، وأخبرها أن تسمّيه محمّدًا، وآية (علامة) كونه محمودًا بخصاله وأفعاله (مثلما يعني اسمه) هو خروج نور عند ولادته يملأ قصور بصرى في الشام، أو في روايةٍ أخرى ما بين المشرق والمغرب (دليل على امتداد رسالة الإسلام إلى هناك).

 ويروي ابن الجزريّ أيضًا أنّ الله حين أراد خلق نبيّه في بطن أمّه، أمر رضوان خازن الجنّة بفتح أبواب الفردوس، وهذا يدلّ بالطبع على أنّ الرسول رحمةٌ للناس يدخلون الجنّة باتّباعه. ونودي تلك الليلة أيضًا أنّ النور المكنون (المكنون عادةً وصفٌ للؤلؤ، فكأنّ النبيّ لؤلؤة بالرحم) يكون مع النبيّ في بطن أمّه أثناء خلقه، ولا شكّ أنّ النور دلالة على رسالته التي تُخرِجُ الناس من ظلماتهم، وربّما ذلك ما يفسّر خفّة الحمل على والدته، إذ كانت تحمل في داخلها نورًا.

من مخطوطة عرف التعريف بالمولد الشريف، 1723، مجموعة يهودا، المكتبة الوطنيّة
من مخطوطة عرف التعريف بالمولد الشريف، 1723، مجموعة يهودا، المكتبة الوطنيّة

 

كذلك، تروي أمّه أنّها ولدته نظيفًا طيّبًا لا كما يولد الأطفال، وأنّه نزل على الأرض معتمدًا على يديه، وجثا على ركبتيه، رافعًا رأسه إلى السماء. وروت إحدى النساء التي حضرت ولادته كيف امتلأ البيت بالنور، وكيف اقتربت النجوم تلك الليلة حتّى شعرت بأنّها ستقع عليها، فكأنّ قولها يوحي بأنّ النجوم التي يستدلّ بها  المسافر في الظلمات على الطريق الصحيح اقتربت لتنال قبسًا من نوره.

ومن العلامات العجيبة يوم مولده أنّه وُلِدَ مختونًا وبحبلٍ سرّيٍّ مقطوع، وربّما يرمز ذلك إلى أنّ ارتباط الرسول ليس بأمّه وبالعرب (اللغة الأمّ) وحدهم، بل بكلّ البشر عبر رسالته، وربّما يُشعرنا ما رآه جدّه عبد المطلب في المنام بمعقوليّة تفسيرنا، حيث شاهد أنّ سلسلةً فضّيّةً خرجت من ظهره (أي من صلبه ونسله) لها 4 أطراف (نهايات)، طرفٌ متّصلٌ بالسماء، وآخرٌ بالأرض، وثالثٌ بالشرق، ورابعٌ بالغرب، ثمّ تحوّلت هذه السلسلة إلى شجرة على كلّ ورقة منها نور، يتعلّق بها أهل المشرق والمغرب. فكأنّ الرسول مرتبطٌ بروابط متينة (سلسلة فضّيّة) بالسماء التي تغذّيه بنورها، كي ينقله إلى الأرض وأهلها في جهاتها كلّها، دون الاقتصار على مكانٍ واحد.

ويورد ابن الجزريّ أنّ رجلًا شاهد نورًا يخرج من بئر زمزم، وهذا النور جعله يشاهد من مكانه “البسر في نخيل يثرب”، أي التمر الذي يحمله نخل المدينة المنوّرة. وربّما يجدر بنا هنا ذكر حادثةٍ لم يوردها الكاتب في مخطوطته، تتكرّر فيها صدق الرؤيا، وهي أنّ بئر زمزم اختفى مرّةً، ولم يعرفوا مكانه، فحلم جدّ الرسول بمن يدلّه على مكان البئر، وحين استيقظ حفر في المكان الذي رآه في منامه فتحقّقت رؤياه. فيبدو أنّ هناك ارتباط بين رسالة النبيّ التي نصرها أهل المدينة وبين حفر بئر زمزم، حيث جلب كلاهما الحياة للناس، ألم يقل الله بالقرآن: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ”، وقال عن رسالة الإسلام: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا “.

طالعوا أيضًا: في مدح النبي محمد

ومن كرامات مولده أيضًا، كما يورد ابن الجزريّ، أنّ أمّه وضعته بعد ولادته تحت برمة (قدر) ليكون جدّه أوّل من يراه، وأنّ البرمة قد انفلقت (شقّت) عنه، وظهر الرسول ينظر إلى السماء، وهذه علامةٌ أنّ لا شيء يستطيع حجب رسالته السماويّة. وقد أخذه جدّه المسرور به بعد هذه الحادثة إلى داخل الكعبة، وشكر الله على عطائه، وقال شعرًا مشهورًا بحفيده.

من مخطوطة عرف التعريف بالمولد الشريف، 1723، مجموعة يهودا، المكتبة الوطنيّة
من مخطوطة عرف التعريف بالمولد الشريف، 1723، مجموعة يهودا، المكتبة الوطنيّة


وحين علم عمّه أبو لهب من جاريته بمولد ابن أخيه، أعتقها من الفرح، وجعلها تُرضعه أيّامًا بعد ولادته. ويقول ابن الجزريّ أنّ أبا لهب (الذي كان يؤذي الرسول بعد بعثه) شوهد بعد موته في النوم، فسئل عن حاله، فقال بأنّه في النار، لكن يخفّف عنه كلّ ليلة اثنين (يوم الاثنين يوم ولادة الرسول) بقليل من الماء لأنّه أعتق جاريته حين بُشّر بولادة النبيّ وجعلها ترضعه. ويعتبر ابن الجزريّ ذلك دليلًا على أهمّيّة فرح المسلمين واحتفالهم بالمولد النبويّ، حيث جوزي “أبو لهب الكافر” المذموم في القرآن وهو في النار لأنّه فرح ليلة مولد النبيّ، “فكيف بالمسلم (…) الذي يُسرّ بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبّته عليه السلام؟ لعمري إنّما يكون جزاؤه من الله أن يدخله بفضله جنّات النعيم”.

ومن آيات وعلامات مولده التي رواها ابن الجزريّ أيضًا، والتي نترك لكم التفكير بدلالاتها، انشقاق إيوان كسرى (هو بناء جميل ذو مساحة واسعة يكون مفتوحًا من جهته الأماميّة يجلس فيه كبار القوم) وسقوط أجزاءٍ منه، وخمود نار فارس التي ظلّت مشتعلة ألف عام، وجفاف بحيرة ساوة العظيمة في مملكة عراق العجم، وحلم أحد علماء الفرس بأنّ الإبل الكبيرة تقود الخيل العربيّة وتقطع نهر دجلة منتشرةً في بلادهم، ورمي الجنّ بالشهب ومنعهم من استراق السمع إلى السماء، ورنين الشيطان (الصياح عند البكاء)، وظهور “نجم أحمد”.

عبدُ القادرِ الجَزائري: الحَكيم الصوفي والقائد العسكري

في سِجِّلاتِ التّاريخ، تَقِفُ قِلّةٌ مِنَ الشَّخصياتِ بِقامَةِ البَطَل الجزائري عبد القادر. ومع ذلك، فإنَّ وَراءَ مُقاومته الشَّهيرة ضِدَّ الاستعمار الفَرنسي يَكمُنُ جانبٌ آخر أقلَّ شُهرة من شخصيته - روحانية عميقة أكسبته الاحترام ليس فقط في وطنه بل في أقاصي القارات. من قرية القيطنة المتواضعة إلى أروقة دمشق الموقرة، تجمَعُ رحلة عبد القادر بين الصّوفية والعلم والقيادة.

832 629

صحيفة الاتحاد: 21 كانون الأول 1995


من منّا لم يسمع  بأَحَدِ أكثر الشخصيات شهرة في القرن التاسع عشر، الأميرُ القائد عَبد القادِر الجزائري، لكنّ القليل منّا يعلم بأنه لم يكن مجرد محارب وقف في وجه الاعتداء الفرنسي على بلاده، بل كان أيضًا يتمتع بروحٍ روحيةٍ عميقة، ساعَدتهُ هذهِ الازدواجية الجميلة بأَن يَحظى بالاحترام ليس في وَطَنِه فحسب، بل في جميع أنحاء أوروبا، وحتى أنه يتم إحياء ذكراه في الولايات المتحدة إلى الآن.


1                                                                         صحيفة الإتحاد:21 كانون الأول 1995

تبدأُ رِحلَةُ عبد القادر في عام 1808 في قرية القيطنة، شمال غرب الجزائر، حيث ولد لسلالةٍ من عُلَماءِ الدين والمتصوفين المرموقين، والتي يقال أنها تعود إلى النبي محمد نفسه. كان والده محيي الدين يحظى باحترام كبير باعتباره مرابطًا، وهو لقب يدل على السلطة الدينية في الأوساط الصوفية، وخاصة داخل الطريقة القادرية الصوفية، السائدة في الجزائر آنذاك.

نشأ عبد القادر في أحضان محفل والده الصوفي، ولم يكتف بتعاليم القرآن وأحاديث النبي فحسب، بل غاص أيضًا في أعماق الروحانية الصوفية. لم يشمل تعليمه الدراسات اللاهوتية فحسب، بل شمل أيضًا مجموعة واسعة من المعرفة الدنيوية، من الفلسفة إلى الرياضيات، كما أمضى الكثير من وقته في التدريب الصارم على مهارات الفروسية، الضرورية لأسلوب الحياة البدوي السائد في عصره.

طالعوا أيضًا: من تاريخ التصوف


على الرغم من إعداده لحياة مليئة بالمساعي العلمية، إلا أن مصير عبد القادر اتخذ منعطفًا مفاجئًا عندما وجد نفسه مدفوعًا إلى ساحة الصراع المسلح. ومع ذلك، فإن نشأته في الصحراء منحته مهارات البقاء على قيد الحياة التي لا تقدر بثمن والقدرة على الصمود العميق التي ستشكل مصيره كقائد عسكري.

مُجاهدُ النفس

عِند وُصولهِ إلى مدينة  دِمَشق عام 1855، قام عبد القادر بخطوة مهمة، إذ استقر في منزل ابن عربي الذي كان مَثَلَهُ الأعلى في التربية الصوفية . كان طلبه الأول عند وصوله يعكس شوقَهُ الروحي العميق والذي تَمَثّلَ بزيارة ضريح ابن عربي في دمشق، انتقل عبد القادر بسلاسة إلى دورِ الحكيم الصوفي، ومنارة المعرفة الدينية، ورجل الدين المخلص، وقد حظيت تعاليمه اليومية في المسجد بإشادة واسعة النطاق، مما رفعه إلى مكانة عالم محترم في المجتمع.

ورُغمَ أَنَّ ابن عربي نَفسه لم يُؤسس طريقةً صوفية، إلا أن تأثيرهُ العميق تَرَدَّدَ صداه في أروقة محاضرات عبد القادر. من خلال التعمق في الآيات القرآنية والأحاديث وتأملاته الخاصة، صاغ عبد القادر بدقة رائعة عمله  بعنوانِ ” المَواقِفِ الّروحية والفيوضات السبوحية “، ويُعَدّ هذا الكتاب خلاصةً لكتاب “الفتوحات المكية” للشيخ محيي الدين بن عربي، الذي كان خاتم الأولياء في عصره. يتكون الكتاب من تنبيهات روحية وتوجيهات متجلية بمعارف إلهية وأسرار غيبية، تتجاوز حدود الاكتساب العادي والتأمل العقلاني.

Dedupmrg753108098 Ie168122710 Fl168123424 2


في قلبِ تَعاليمه تَكمُن الرحلة التنويرية نحوَ الاتّحاد الإلهي – الفناء – أي انحلال الذات حتى يبقى جوهر الله فقط، وشرح عبد القادر هذا المفهوم مردداً قول النبي محمد: “اعرِف نَفسك تعرف ربك”. وفي تَأَمّل هذه الوِحدة الإلهية، رأى جميعَ المخلوقات مجردَ انعكاسٍ للحقيقة الإلهيةِ نفسها، حيث تتلاشى الفروق، وتبقى الحقيقة الواحدة فقط.

كما أكد الأمير الجزائري بأن حُضورَ الله يتخلل كلَّ رُكنٍ مِن أَركانِ الوجود، ومع ذلك يَظّلُ جَوهره خارجَ نِطاقِ فهم البشر. هذه المفاهيم لا تؤيد الوثنية أو أشكال العبادة البديلة؛ بل إنها تعكس المذاهب الميتافيزيقية العميقة لابن عربي والمدرسة الأكبرية. حيثُ يتعمقون في تعقيدات أنظمة المعتقدات وطرق العبادة المتنوعة، ويقدمون منظورًا دقيقًا حول تعدد المسارات الروحية. هذا المنظور الذي قد يدفع بشكل إيجابي نحو احترام كافة أشكال العبادات والتسامح الديني.

Dedupmrg753108098 Ie168122710 Fl168123170 3
                                               من مخطوطة ” المواقف الروحية والفيوضات السبوحية” متوفرة في المكتبة الوطنية

 

بينما نختَتِم هذا الاستكشاف لإرثِ عَبدِ القادرِ مُتَعَدِّدِ الأَوجه، لا يسعنى إلا أن نرى قصته كأكثرَ من مجرد سردٍ تاريخي – إنها شهادة خالدة على قوةِ الروحانية والمرونة والفهم الثقافي. من خلال مقاومته الثابتة ضد القمع الاستعماري والتزامه الذي لا يتزعزع بالتنوير الروحي، تجاوز عبد القادر حدود عصره، تاركًا وراءه إرثًا نحن بأمس الحاجة إليه اليوم.

ذمُّ شره الطعام وتعظيم الجوع: حمية الإمام الغزالي الروحيّة

نقدّم لكم في هذا المقال عرضًا لرأي الإمام الغزالي في شره الطعام، والسرّ لديه في أهمّيّة الجوع، ونصائحه في التقليل من الأكل، كما ورد في أحد أقسام كتابه "الأربعين في أصول الدين".

832 629

كتاب الأربعين في أصول الدين، 1793، مجموعة الـ AP ضمن مجموعة المخطوطات، المكتبة الوطنية

ألّف الإمام أبي حامد الغزالي (1058-1111 م) كتابه الأربعين في أصول الدين في فترة عزلته واعتكافه التي امتدّت تقريبًا عشرة أعوام، قضاها في القدس ودمشق. قسّم كتابه إلى عدّة أقسام، منها ما هو في العقائد، وفي الأعمال الظاهرة، ومنها ما هو في تزكية القلب عن الأخلاق المذمومة، وقد وضّح رأيه في الطعام والجوع في هذا القسم، ونلمح في آرائه صدىً للأفكار الصوفيّة عن قهر الجسد وشهواته، وتأثيرًا لعزلته، إذ هي كالجوع تركٌ لملذّات الدنيا.

في شره الطعام

يعتبر الغزالي أنّ شره الطعام من أمّهات (أصل) الأخلاق السيّئة، فالمعدة بالنسبة إليه ينبوع الشهوات، فعندما تنتصر شهوة الطعام على الإنسان، يصبح أسيرًا لها، وينتج عنها شره المال، لأنّ المال هو الذي يجعل الإنسان قادرًا على الحصول على الأطعمة التي تشتهيها نفسه. ومن شهوة المال، تنبع الرغبة في الجاه، أي علوّ المكانة والمنزلة، لأنّه هو الذي يُسهّل كسب المال. وعندما يحصل الإنسان على المال والجاه ويسعى في طلبهما، ينتج عن ذلك آفاتٌ إضافيّة في أخلاقه، فيصيبه التكبّر والرياء (عمل الصالحات أمام الناس لتزداد المكانة) والحسد على من يملكون والحقد والعداوة وغيرها. ومنبع كلّ ذلك حسب الغزالي هو البطن، فكأنّه يريد أن يقول إنّ الرغبة الشرهة في الطعام هي أمٌّ تلد سلسةً من السلوكيّات المذمومة، ورحم هذه الأمّ هو البطن أو المعدة.

ولا يكتفي الإمام الغزالي بنقد شره الطعام بهذه السلسلة المنطقيّة من السبب والنتيجة (ربّما نتذكّر هنا أنّ الغزالي درس الفلسفة في فترة من حياته)، بل يورد أحاديثًا نبويّة، ليدعم رأيه لا بالعقل وحده، بل بالنقل عن الرسول كذلك، فيبدأ بحديثٍ يُعَظِّم الجوع (نقيض الشره): “ما من عمل أحبّ إلى الله من الجوع والعطش”، ثمّ “لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه”. ويورد حديثًا آخر توحي صياغته بضعف نسبته إلى الرسول: “الفكر نصف العبادة، وقلّة الطعام هي العبادة”، وحديثًا آخر يمدح التفكّر ويربطه بالجوع، ويذمّ كثرة الأكل (صيغة المبالغة أكول) ويربطها بالكسل (النؤوم): “أفضلكم عند الله أطولكم جوعًا وتفكرًا، وأبغضكم إلى الله كلّ أكول شروب نؤوم”. وقبل أن ينهي الغزالي حديثه عن شره الطعام، يورد عدّة أحاديث أخرى تدعم رأيه، أشهرها حديثٌ صحيحٌ يذمّ التخمة، ويحثّ -من يقدر على ذلك- على “حميةٍ روحيّةٍ” قائمةٍ على أكل اللقيمات (اللقم الصغيرة) لإمداده بالقوّة اللازمة على القيام بأعماله، وإذا كان ذلك صعبًا فليقسّم الشخص معدته 3 أقسام، واحد للطعام والثاني للشراب والثالث للهواء (أي فارغ):

 “ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم لقيماتٍ يُقمن صُلبه، وإن كان لا محالة (أي لا بدّ من الزيادة في الطعام) فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنفَسِه”.

Dedupmrg765329080 Ie144661144 Fl144661329 660

شره الطعام من مخطوطة الأربعين في أصول الدين- المكتبة الوطنيّة


السرّ في تعظيم الجوع

بالإضافة لأهمّيّة الجوع في القضاء على شره الطعام، يورد الغزالي فوائد كثيرة أخرى له، تجعله مناسبًا لمن يطلب الآخرة. فهو يؤدّي إلى صفاء القلب ونفاذ البصيرة (قوّة الإدراك والذكاء)، ما يسهّل تحصيل المعرفة المؤدّية إلى السعادة، عكس الشبع الذي يسبّب البلادة الفكريّة. والجوع أيضًا يجعل القلب رقيقًا، فيتأثّر بذكر الله وعبادته ولذّة مناجاته، ويقتبس الغزالي قولًا تعجبيًّا للصوفيّ الزاهد أبو القاسم الجنيد يقول فيه: “يجعل أحدكم بينه وبين قلبه مخلاة من الطعام ويريد أن يجد حلاوة المناجاة!”، ومعنى هذا القول أنّ الطعام الكثير المكنّى عنه بطريقة سلبيّة بالمخلاة (الكيس المعلّق على رقبة الدابّة يوضع فيه علفها) حاجزٌ بين الإنسان وذاته الحقيقيّة (قلبه) التي تتذوّق حلاوة العبادات.

 كذلك، يؤدّي الجوع -حسب الغزالي- إلى ذلّ النفس وزوال البطر والطغيان، فيمتنع الإنسان عن التكبّر، الذي هو في رأيه سبب الغفلة عن الله، والباب المؤدّي إلى الجحيم. والجوع أيضًا بابٌ من أبواب الجنّة، لأنّه بلاءٌ للنفس، وعندما يعذّب الإنسان نفسه بالجوع يتذكّر عذاب الآخرة، فيزيد خوفه من الله، وإقباله على طاعته. وهو يكسر كافّة الشهوات التي هي منابع المعاصي، ويسيطر على النفس الأمّارة بالسوء، ويقتبس الغزالي من صوفيٍّ آخر هو ذي النون قوله بأنّه عندما يشبع يعصي الله أو يرغب في المعاصي، وقول عائشة بأنّ الشبع يجعل النفس تجمح نحو الدنيا (الجموح عندما يتمرّد الحصان على راكبه، أو لا يقدر البحّارة على ضبط سفينتهم).

وآخر فائدتين يوردهما الغزالي للجوع تتعلّقان بالخفّة، خفّةِ الجسد (نشاطه) اللازمة للتهجد (صلاة الليل) والعبادة وزوال ثقل النعاس، وخفّة المؤنة، أي النفقات القليلة التي تجعل الإنسان يرضى بالقليل من الدنيا، فمن تخلّص من شره الطعام لا يرغب في المال الكثير لشرائه، ويزول عنه ثقل الهموم المتعلّقة بالحصول عليه.

التدرّج في التقليل من الطعام

ردًّا على سؤال “كيف أترك الشبع والإكثار في الطعام وقد أصبحا عادة عندي؟”، يجيب الغزالي أنّ الحلّ في التدريج، لتسهيل الأمر على النفس، فيُنقص الإنسان كلّ يومٍ من طعامه لقمة، وينتج عن ذلك أن يقلّ ما يأكله “رغيفًا في شهر”، وهكذا يتعوّد رويدًا رويدًا على الكمّيّات القليلة. وبعد المداومة على التقليل، يختار الإنسان حسب طاقته كمّيّة الطعام من ثلاث درجات يوضّحها الغزالي:

-أعلى درجة هي درجة الصدّيقين (أعلى المراتب بعد مرتبة النبوّة)، وكمّيّة الطعام في اليوم هنا على قدر القوام، أي قوت الطعام الذي يقيم الإنسان ويبقيه على قيد الحياة ولا يجعل عقله ضعيفًا، وبمعنى آخر الحدّ الأدنى من الطعام الذي إذا نقص يتشكّل خطرٌ على الحياة والعقل.

-الدرجة الثانية هي نصف المُدّ كلّ يوم (قيمة المدّ عند بعض الفقهاء المعاصرين تقريبًا 544 غرام)، وهذه كانت عادة جماعة من الصحابة كعمر بن الخطاب.

-الدرجة الثالثة هي المُدّ الواحد كلّ يوم، دون زيادة. لكن يؤكّد الغزالي أنّ هذه الحسابات تقريبيّة، ويؤثّر فيها اختلاف الأشخاص وأحوالهم. وهو يفضّل أن يأكل الإنسان عند الجوع الكبير، وأن يتوقّف عن الطعام وهو لا يزال يشتهيه. ودليل الجوع الصادق لديه هو الوصول إلى الحالة التي يصبح فيها راغبًا بأيّ نوعٍ من الخبز، حتّى لو كان يابسًا (من غير إدام أو مرق).

Dedupmrg765329080 Ie144661144 Fl144661330 660

من مخطوطة الأربعين في أصول الدين- المكتبة الوطنيّة 

كذلك، يعتبر الغزالي أنّ على الإنسان التقليل من خبز البُرّ (القمح) مع الإدام (المرق أو الدسم)، وأن يحاول الاقتصار على خبز الشعير بلا إدام. وينصح أيضًا بالتدرّج في مدّة الامتناع عن الطعام، فيمتنع في البداية عن الأكل في اليوم الواحد أكثر من مرّةٍ واحدة، ثمّ يمتنع عن الأكل ليومين متواصلين، ويستمرّ بالتدريج حتّى يصل أيّامًا عديدة بلا طعام، ككبار سالكي الطريق من الصوفيّين.

هكذا كانت حمية الغزالي الروحيّة، وإذا أعجبتكم، ننصحكم بعدم تجريبها، قبل أن تستشيروا طبيبكم!

بعيداً عن ضَوضاءِ الأسواق: سُنّةُ الاعتكاف في رمضان

في شَهرِ رمضانَ المُبارك، تمثل رؤية الهلال بداية طقوس روحانية مهمة لدى المسلمين في جميع أنحاء العالم، حيث يجتمعون على موائد الافطار وفي المساجد على حد سواء. ومن بين هذه الطقوس الاعتكاف، وهو خلوة روحية ذات أهمية بالغة، حيث يسعى المؤمنون إلى الاعتزالِ والتّقرب من الله تعالى. يُعتبر الاعتكاف، المتجذر في سنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وسيلة لتعميق الإيمان، ويدعو المؤمنين إلى الانغماس في أعمال العبادة والتأمل داخل جدران المسجد المقدسة.

832 629

بطاقة بريدية تظهر مجموعة من المصلين في الجامع الأزهر في القاهرة، مجموعة بن تسفي.

في شَهرِ رَمَضانَ المُبارك، عندَ تَتِمّة رُؤيةِ الهلال، تبدأُ شعائر الشهر الكريم بالحضور في زوايا منازل المسلمين ومساجدهم في جميع أنحاء العالم. أحدُ هذه التقاليد هو تقليدٌ معروفٌ باسم الاعتكاف، وهو خلوة روحية لها أهمية عميقة بالنسبة للمؤمنين الذين يسعون إلى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

مع اقتراب الأيام العشرة الأخيرة والأقدس من شهر رمضان، تترقبُ المساجد و تستَعِد لاستقبال المصلين الذين يشرعون في رحلة الاعتكاف الروحية. شَرّعَ الإسلام الاعتكاف كوسيلة  لتعميق اتصال المؤمن بالله تعالى، وتعزيز الجانب الروحاني للإيمان، والعودة إلى الحياة اليومية بإيمان والتزام أقوى. إنه وقت التأمل والتفاني والاستسلام، حيث يقضي المؤمنون في حرم المسجد، ساعة، أو يومًا، أو حتى أكثر، منغمسين في أعمال العبادة بعيدًا عن مُلهيات العالم الخارجي. وهم في هذا المكان المقدس يقتدون بالملائكة الذين يسبحون الله ليلا ونهارا، ولا يتوانون في طاعتهم. كما يمكنُ اعتبار الاعتكاف تدريباً للنفس على الصبر والمثابرة في مواجهة الشدائد وإيجاد العزاء في عبادة الله تعالى.

End Of Ramadan
صلاة الجمعة الأخيرة في المسجد الأقصى، 1993، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنية.


تعود أصول الاعتكاف إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي مارس هذه الخلوة الروحية خلال العشر الأواخر من رمضان. “عَنْ أبي هُريرةَ، رضي اللَّه عنهُ، قالَ: كانَ النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ عَشَرةَ أيَّامٍ، فَلَمًا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبًضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشرِينَ يَوْماً”.


للمزيد من مقالات مجلة المكتبة الوطنية حول شهر رمضان.

في ممارسة الاعتكاف المقدسة، لا يُدعى المؤمنون إلى العزلة في المسجد فحسب، بل أيضًا إلى الانخراط في العبادات المفيدة التي تغذي الروح وتعمق علاقتهم بالله، ممارسات كقراءة ما استطاعوا من القرآن الكريم و اقامة صلاة النوافل و الدروس الدينية.

لكن الاعتكاف لا يقتصر على شهر رمضان المبارك وحده. ويمكن ممارسته في أي وقت من السنة، وفي أي شهر، كوسيلة للتقرب من الله. ومع ذلك، هناك جاذبية خاصة للعزلة خلال شهر رمضان، وهو الوقت الذي يقال فيه أن الحسناتِ تتدفق بكثرة.

الاعتكاف في كَنَف القدس

الإتحاد, 10 كانون الثاني 1999 660
جريدة الإتحاد، 10 كانون الثاني 1999، موقع جرايد

لعقودٍ طَويلة، كانَ المسجدُ الأًقصى، داخل أسوار القدس القديمة، ملاذاً لأولئك الذين يبحثون عن الاعتزال الروحي والعبادة. منذ عصر الإمبراطورية العثمانية إلى يومنا هذا، كان المسلمون يجتمعون داخل ساحات المسجد على مدى الثلاثون يوماً للإفطار و آداءِ صلاةِ التراويح و أخيراً الاعتكاف.  

للمزيد من المواد الرقمية حول شهر رمضان في القدس.

ومنذ عام 1967، اكتسبت الاعتكافُ خلال الأيام العشرة الأخيرة من رمضان أهميةً خاصة في القدس، حيث يتدفق المصلون من كل مكان للمشاركة في هذا التقليد المقدس. وتشهد الأيام الإضافية، مثل الخميس والجمعة، تدفقًا للمصلين من جميع أنحاء البلاد، حريصين على الاستمتاع بالجو الروحي للمدينة المقدسة.