مراحل فرض الصيام في الإسلام: من عاشوراء إلى رمضان

مرّ الصيام في الإسلام بعدّة مراحل قبل أن يصل شكله النهائيّ المتمثّل في صيام رمضان كما يعرفه المسلمون حول العالم، فما هي تلك المراحل؟

مصحف بهاري هندي – من مجموعات المكتبة الوطنية

مصحف بهاري، نسخة هندية، القرن الـ 15، مجموعة يهودا، المكتبة الوطنية

مثل العديد من التشريعات الإسلاميّة، لم يُفرض صيام رمضان مرّةً واحدة، ولا في بدايات الإسلام؛ إذ شُرع على مراحل – بعد الهجرة – في المدينة. وهدف ذلك، التأكّد من استقرار الدين الجديد في قلوب المؤمنين به، واتّباع مبدأ التدريج، كي يتعوّد المسلمون على الفرائض الجديدة، خاصّة الشاقّة منها، كالامتناع عن الطعام والشراب لشهرٍ كاملٍ في أجواءٍ حارّةٍ كالتي تسود شبه الجزيرة العربيّة. يقول ابن القيم في كتابه زاد المعاد: “لما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لما توطّنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدريج. وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات“.

ونستطيع أن نقسّم مراحل فرض الصيام إلى أربعة مراحل، المرحلة الأولى كانت في فرض أيّام للصوم غير شهر رمضان، والمراحل الثلاثة التالية تتعلّق بتغيّر أحكام شهر رمضان حتّى وصولها إلى شكلها النهائيّ.


صيام عاشوراء ثمّ ثلاثة أيّام من كلّ شهر

أوّل يومٍ أمر الإسلام بصومه كان يوم عاشوراء (العاشر من محرّم)، حيث كانت قريش تصومه في مكّة، حتّى نُسِخَ (لُغِيَ) فرض صيامه حين فُرِض رمضان، وغدا صيام هذا اليوم من النوافل المستحبّة. تقول عائشة في حديثٍ رواه البخاريّ: “إنّ قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثمّ أمر رسول الله بصيامه حتى فرض رمضان، فقال رسول الله من شاء فليصمه ومن شاء أفطره“. وفي روايةٍ أخرى كان صوم عاشوراء في المدينة لا مكّة، عندما شاهد الرسولُ اليهودَ يصومونه، ففي حديثٍ عن عبد الله بن عباس أخرجه البخاري في باب صوم عاشوراء، قال: “قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالح نجّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوّهم فصامه، وقال: أنا أحقّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه“.

وتشير عددٌ من الروايات أنّ الرسول أمر بعد عاشوراء وقبل رمضان بصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، ففي سنن البيهقي وأبي داود عن ابن أبي ليلى يقول: “حدّثنا أصحابنا أن رسول الله لما قدم المدينة أمرهم بصيام ثلاثة أيام ثمّ أنزل رمضان وكانوا قومًا لم يتعودوا الصيام وكان الصيام عليهم شديدًا“.


التخيير بين صوم رمضان أو الإفطار مع دفع فدية

في هذه المرحلة الأولى من تشريع رمضان، كان للمسلم القادر على الصيام خيارٌ بين أن يصوم شهر رمضان، وهو الأفضل، وبين أن يُفطر (رغم قدرته على الصوم) مقابل دفع فدية على كلّ يومٍ يُفطِره وهي إطعام مسكين، فعن سلمة بن الأكوع قال: “لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184]، كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا” (رواه البخاري). والآية المقصودة بعدها التي لغت التخيير، وجعلت صوم الشهر فرضًا على البالغ غير المريض أو المسافر هي: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].

ولابن عبّاس كما يروي عنه البخاري رأيٌ آخر في آية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، إذ يقول: “ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فليطعما مكان كلّ يوم مسكينًا”، وكأنّه بذلك لا يعتبر حكمها ملغي بالكامل، بل أنّ مجال التخيير قُلّص ليشمل فقط الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، عوضًا عن الجميع.

"على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" – مصحف غربي إفريقي
“على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين” – مصحف غربي إفريقي


وجوب صيام شهر رمضان والإفطار بعد الغروب بشرط عدم النوم

في هذه المرحلة، فُرِض صيام رمضان على المسلم البالغ العاقل، المقيم وغير المريض، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وبعد الغروب، يستطيع الأكل والشرب بشرط عدم النوم، وفي حالة نومه، يحرّم عليه الطعام والشراب (حتّى لو استيقظ قبل الفجر) إلى غروب شمس اليوم التالي. وقد كانت هذه المرحلة صعبة على المسلمين، وسبّبت لبعضهم مشاقًا بالغة، مثل قيس بن صرمة الذي نام بسبب تعبه من العمل قبل أن يفطر، فظلّ بلا طعامٍ حتّى اليوم التالي حيث أُغمِيَ عليه، ففي حديث البراء بن عازب، قال: “كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ، قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ [البقرة: 187]، فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] ” (رواه البخاري).

مصحف بغدادي من القرن الخامس الهجري-من مجموعات المكتبة
مصحف بغدادي، القرن الحادي عشر، مجموعة يهودا، المكتبة الوطنية

وجوب الصيام على الحالة الحاليّة بعد رفع الشرط السابق

في المرحلة الأخيرة، رُفِع شرط عدم النوم كما ورد في حديث البراء بن عازب عندما نزلت الآية 187 من سورة البقرة، وصار بإمكان المسلمين الأكل والشرب من غروب الشمس حتّى طلوع الفجر، سواءً ناموا بين الوقتين أم لا، مع الاحتفاظ بالرخص الشرعيّة للإفطار المتعلّقة بالمسافر أو المريض، ويُضيف إليها الفقهاء رخصًا أخرى، كإمكانيّة أن يفطر كبار السنّ ممّن يشقّ عليهم الصوم، مقابل إطعام مسكين عن كلّ يومِ يفطرونه.

كتاب الصوم من مخطوط ملتقى الأبحر في فروع الحنفية
كتاب الصوم من مخطوط ملتقى الأبحر في فروع الحنفية

جدل تكريم القبور: موقف ابن تيمية

كان ابن تيمية محط جدل واسع النطاق؛ إذ كان مع الفقهاء الذي حاربوا التصوّف وتبجيل الأولياء. في هذا المقال، نسلّط الضوء على بعض رسائله.

مخطوطة ثلاث رسائل،1327،متوفرة في المكتبة الوطنية

مخطوطة ثلاث رسائل لابن تيمية،1327،مجموعة يهودا، المكتبة الوطنية

على الرُّغمِ مِن أَنَّ حَرَكَةَ السّلفية مرتبطة في الوعي الشائع بمفاهيم الأصولية وفي بعض الأحيان بالمفهوم المُرَكّب للجهاد، إلا أنها تحتل موقعًا جذابًا في تحفة الإسلام المعاصر. في جوهرها، تتمثل السلفية في رغبة حارقة في العودة إلى أُصول الدين، التي جَسّدَها النّبي محمد – عليه الصّلاة والسلام- وسَلَفه من الخلفاء المبشرين. السلفيون، أتباع هذه الحركة، مدفوعون بمسعى لا هوادة فيه: تنقية الإسلام من خلال مواءمة ممارساتهم مع الأفكار الإسلامية التقليدية، والتي يدعمها التركيز على التفسير الحرفي للقرآن الكريم والحديث الشريف.

تعود جذور السلفية إلى فترة تاريخية بعيدة، حيث وجدت جذورها في أعمال شخصيات بارزة مثل ابن تيمية. وكانت مساعيه الحماسية تهدف إلى تطهير الإسلام من الانحرافات المتصورة، مما مهد الطريق لحركات مثل الوهابية، التي ظهرت خلال السنوات التكوينية للمملكة العربية السعودية.

تقيّ الدين ابن تيمية، كان فقيهًا حنبليًّا بارزًا في القرن الرابع عشر. تركزت دراسته على علوم القرآن والحديث والفقه والتفسير. أسس لأفكار مثيرة للجدل وانتقد بشدة بعض المعتقدات والعادات في زمانه، معتبرًا أن ضعف المسلمين في وجه الغزو المغولي نابع من ضعف العقيدة والدولة المملوكية. عُتقل عدة مرات بسبب إصلاحاته الدينية، فرأى أن القرآن والحديث هما المصادر الأساسية للإسلام. أثرت أفكاره على العلماء لاحقًا وعلى ظهور التيارات الفكرية مثل السلفية والإسلام الحركي.

للمزيد من مواد الإسلام الرقمية في المكتبة الوطنية

عاش ابن تيمية في دمشق في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، و تزامنت سنة ولادته، 1263، مع فترة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية الهائلة. لقد كانت فترة أعقبت مباشرة السقوط الوحشي لبغداد في أيدي المغول، وكانت بمثابة علامة على زوال الخلافة العباسية وضربة قاصمة للسلطة والثقافة الإسلامية – وهي الحضارة التي كانت ذات يوم بمثابة منارة عالمية. لقد ظهر ابن تيمية في عالم هزته هذه الأحداث المذهلة، وعاش في عصر من الاضطراب وعدم اليقين الذي لم يشكل حياته فحسب، بل وجهات نظره أيضًا.

لم يكن ابن تيمية مجرد عالم دين تقليدي، بل كان يتحدى بجرأة الممارسات المعتمدة داخل المجتمع الإسلامي آنذاك، الذي كان ميالاً للتصوف والتشيع، معتبراً إياها تحريفاً للدين الحقيقي. لم يكتف ابن تيمية بالنقد فقط؛ بل شارك بحماس في المناظرات، وكتب أعمالاً موجزة وحادة تسلط الضوء على مخاوفه من حال الأمور في العالم الإسلامي.

لم يَتَساهل ابن تيمية مطلقًا فيما يتعلق بأي نوع من أنواع البِدَع (أي الشريعة المُبتَدَعة)، كانت معتقداته واضحة: إذا لم تكن فكرة أو ممارسة مرصودة من النبي محمد (عليه الصلاة السلام) أو الصحابة (السلف)، فليس لها مكان في الإسلام. هذا الموقف كان بعيدًا عن وجهة النظر السائدة في زمانه. فعلى الرغم من حذر الناس من إدخال تعديلات جديدة في الدين، كان الكثير من الابتكارات تُنظر إليها بصورة إيجابية وحتى يتم الترحيب بها.

أَدّى هذا المَوقف الصارم لابن تيمية ضد الممارسات التي اعتبرها بدعًا في الدين، وخاصة في الصوفية، إلى سجنه. كانت آراؤه حول الشريعة الإسلامية ومعارضته الثابتة لأي شكل من أشكال الابتكار فريدة من نوعها في عصره. وتعكس كتاباته تصنيفه الصارم للشريعة الإسلامية. فما هذه الممارسات التي اعتبرها ابن تيمية مُبتَدَعة في الإسلام؟

من تاريخ التصوّف


مسيلة القبور والاستنجاد بالمقبور

امتد انتقاد ابن تيمية إلى ممارسات صوفية محددة. فقد انتقد بشدة ممارسات مثل الذكر (ترديد متكرر لأسماء الله) والسما (التأمل الروحي الذي يتضمن الموسيقى)، إلى جانب مفاهيم مثل الفناء (إبادة الذات) المرتبطة بالتصوف. كان الأمر المثير للجدل بشكل خاص هو معارضته القوية لممارسة واسعة النطاق تتمثل في زيارة قبور الأولياء، وهي ممارسة راسخة في التاريخ الإسلامي وغالبًا ما ترتبط بالصوفية. لقد أدان هذا بشدة، خوفًا من أن يكون قريبًا جدًا من الشرك أو عبادة الأصنام.

مسيلة القبور والاستنجاد بالمقبور، 1750،متوفرة بالمكتبة الوطنية
مسيلة القبور والاستنجاد بالمقبور، 1750،متوفرة بالمكتبة الوطنية

 

وفقًا لابن تيمية، لم تكن هناك أماكن مقدسة بطبيعتها، وطلب المساعدة لا يمكن أن يكون إلا من الله مباشرة، رافضًا مفهوم الشفاعة من الميت. كان موقفه آنذاك مثيرًا للجدل إلى حد كبير، خاصة وأن الصوفية كانت الشكل السائد للإسلام في ذلك الوقت. ونهى عن الحج إلى هذه القبور والأضرحة إلا في حالة الزيارة العارضة أثناء السفر لغرض آخر، دون طلب فضل أو بركات من الأولياء والأنبياء. 

وعلى الرغم من أنه كان مرتبطًا تقنيًا بالمذهب الحنبلي، فإن ابن تيمية لم يكن خائفًا من كسر القالب. كان ينحرف كثيرًا عن وجهات نظرهم، وكان يثير الجدل في كثير من الأحيان بآرائه التي تعارض الأعراف المُعتمدة. ومع ذلك، أصبح أسلوبه الذي اتخذه أساسًا للسلفية، مما أثر بشكل كبير على التفكير الإسلامي المعاصر.

شعر ابن الفارض: سيمفونية الحب الصوفية

في هذا المقال، نكشف عن أبيات ابن الفارض التي تتجاوز الحدود الزمنية والثقافية، وتَكشف جوهر سعي الصوفية إلى الحب والوحدة مع الله.

مخطوطة "ديوان ابن الفارض"،نسخة من عام1665 ميلادي، متوفرة بالمكتبة الوطنية

مخطوطة "ديوان ابن الفارض"،نسخة من عام1665 ميلادي،متوفرة بالمكتبة الوطنية

يزخرُعالم ُالتّصوفِ دونَ شكٍ بالتنوع والجمال، ويحاولُ الصّوفيون، مع الحفاظِ على جوهرِ هذا التقليد، استلهام تعبيراتهم الفنّية من أشكال محلّية من الموسيقى والشعر متعدد اللغات، فتارة يستحضرون الطير وتارة أخرى الخمر والمحبوب، للتعبيرعن أعمقِ تجاربهم الرّوحية.

وضمنَ هذه اللوحةِ الصوفية، يبرزُ نجمٌ لامعٌ، قد يكون أهمَ وأشهرَ شاعرِ صوفيِّ عربيِّ في تاريخ الشعر الصوفي، وهو عمر بن أبي حسن المعروف بابن الفارض والملقب بـ “سلطان العاشقين”، الذي أبدع في قصائده بأسلوب ثوري يتجلى فيه جمال الوحدة والحب بطرق لم تجارِ بها الأقلام الأخرى قلَمَه. ولاتزال قصائده ُتحظى بشعبية ٍكبيرةِ حتى اليوم، خاصةً في وطنهِ مصر، حيث يتم غناءها في الجلسات الصوفية الرسميةِ وفي المجالس الشعبية.

 

صحيفة الإتحاد: 5 شباط 1991
صحيفة الإتحاد: 5 شباط 1991

 

التائية الكبرى

لم يسمى ابن الفارض بمحض الصدفة بـ “سلطان العاشقين”؛ إذ شَكّلُ الحُب القلبَ النابضَ لإبداعاته، وتكرر هذا المفهوم مجازياً وبشكلٍ مباشر في أشعاره. إذ تناولَ في العديد من أبياته موضوعَ العاشقِ والمحبوب، والرغبة الشغوفة للعاشق في الاقتراب والاتحاد مع المحبوب، أي الله سبحانه.

بينما تَحظى كلُّ إبداعاته بتقدير عالٍ، تُعتبر قصديته بعنوان ‘التائية الكبرى من أعماله الأكثر شهرة ، المعروفة أيضًا ب ‘نظم السلوك’1، أو قصيدة ُالطّريقِ الصّوفي. تعتبرهذه القصيدةُ أطول قصيدة صوفية في اللغة العربية، حيث تحتوي على 761 بيتًا. ولكن شهرتها ليست مرتبطة بطولها فقط، بل أيضًا لكونها واحدةً من أعظمِ التعبيراتِ عن الطريق الصوفي والوحدة الإلهية.

تبدأُ القصيدةُ كالعديدِ من قصائدِ الحبِ الأخرى، راسمةً مشهدًا يستحضرُ صورة النبيذ المُسكر والشوق العميق الذي يشعر به الشاعر نحو الحبيب. استخدم ابن الفارض في قصيدته، أسلوب شعري فريد ليعبر عن تجربته العميقة، حيث أدى حبه للمحبوب – الله سبحانه وتعالى – إلى حالة الثمالة .

 

سَقَتني حُمَيَّا الحُبَّ راحَةَ مُقلَتي   وَكَأسي مُحَيَّا مَن عَنِ الحُسنِ جَلَّتِ

وبالحَدَقِ استغنَيتُ عن قَدَحي ومِن   شَمائِلِها لا من شَموليَ نَشوَتي

ففي حانِ سُكري حانَ شُكري لِفِتيَةٍ    بِهِم تَمَّ لي كَتمُ الهَوَى مَعَ شُهرَتي

 

مخطوطة "ديوان ابن الفارض"، نسخة من عام1665 ميلادي
مخطوطة “ديوان ابن الفارض”، نسخة من عام1665ميلادي

في القسمِ الأولِ من القصيدة، يتوقُ الشاعرُ بشغفٍ للاتحاد مع المحبوب، الذي يُمثل الله. ما يثيرُ الاهتمام هو أن الله، المحبوب، يُشار إليه بالضمير المؤنث على مرالقصيدة، كما يُشار إلى الثمالة كتشبيه لنشوة الحب، حيث تنسجم مجازية العاشق والمحبوب في السرد بشكل جميل.

في البيت الخامس والثمانون، تأخذ القصة منعطفا دراماتيكياً؛ إذ ترفضُ المحبوبةُ الشاعرَ دون سابقِ إنذار. تباهى الشاعر في بدايةِ القصيدة بحبهِ الشديد وتفانيه المخلص وتحمّله للصعابِ وحتى عثورَهُ على متعةٍ فيها سعيًا للاتحاد مع الحبيبة. لكن أصبح من الواضح أن هذا الاحتفاء بالنفس كان مبنياً على الكِبْر وأنَّ حب الشاعر موجه في الأساس نحوه لا نحو المحبوب.

 

يوضح الحبيب بأن الشاعر يسعى للحب، بالتأكيد، ولكن من أجله، ليس من أجل المحبوب، ويشرح الحبيب أن الشاعر احتفظ بجزء من ذاته، وأنه لن يحب حقًا حتى يفقد نفسه بالكامل داخل الحبيب:

حليف غرام أنت لكن بنفسه   وإبقاك وصفا منك بعض أدلتي

فلم تهوني ما لم تكن في فانيا   ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي

بعدَ هذا الرفض الجارح، يحدث تحول عميق في الشاعر؛ إذ تتواضع نفسُه و ُيدركُ خطأه و يصل إلى حالة تسليم كاملة، حيث يدرك أن السبيل الوحيد لتحقيق رغبة الحبيب هو إلغاء إرادته الشخصية تمامًا، لكي لا يبقى في قلبه شيء سوى الحبيب. عندها فقط يحقق الشاعر ما كان يبحث عنه طويلًا.

يكتب ابن الفارض في مخطوطته المنشورة عام 1665.

لها صلواتي بالمقامِ أُقيمها   وأشهَدُ فيها أنّها ليَ صَلّتِ
كِلانَا مُصَلٍّ واحِدٌ، ساجِدٌ إلى   حقيقَتِهِ، بالجمعِ، في كلّ سجدَة
وما كان لي صَلّى سِواي، ولم تكن     صلاتي لغيري في اذا كلِّ ركعة

مخطوطة "ديوان ابن الفارض"، نسخة من عام1665 ميلادي
مخطوطة “ديوان ابن الفارض”، نسخة من عام1665 ميلادي

تروي القصيدةُ قصةَ رحلة نحو الوحدانية مع الله، وتأخذنا عبر مراحل مختلفة من فهم الذات؛ إذ للقاء المحبوب -أي الله- يختبر الشاعرُ إلغاء النفس، لينصَهِرَ تمامًا مع الذات الإلهية، حيث تختفي جميع إشارات التعدد. وهذا ما يطلقُ عليه الصوفيون بـ “الفناء”.

ولكن بعد الفناء تأتي مرحلة “البقاء” في الله. عندها، يعود المتصوف من حالة النشوة إلى نوع آخر من الوضوح. يعود إلى ذاته في العالم الواقعي، لكنّ رؤيته للعالم تغيّرت. لم يعد ينظر إلى نفسه ككيان مستقل، وإنما كإظهار لذات الله. لم يعد وجوده محدودًا ومنفصلًا، بل أصبح واحدًا مع الواقع الذي يضم كل شيء في وحدته.

 

الحبُ الأبدي

تُعبرُ “التائية الكبرى” بجماليتها عن رحلة عميقة نحو المفاهيم الصوفية. يبرزُ الحَبّ كموضوع جوهريّ في القصيدة، إنه الحب الذي يدفع المحبوب للتخلي عن ذاته والانصهار مع ذات المحبوب ليشكلا ذاتاً واحدة. هذا الحب الذي يملأ قلب الصوفي الزاهد المستنير. من هذا المنظار، يكتشف الصوفي العالم بأكمله كنسيج محبوكٍ من الحب، والحب الذي يتحقق يمتد ليشمل جميع خلق الله. إنه حب لا نهائي في جوهره يتسع ليشمل الطبيعة وجميع كائنات العالم. إن هذا الحب، بكل ما يتضمنه من أهمية عميقة، يشكل نبض الواقع.

يقول الحديثُ القُدسي: “كُنتُ كنزاً مَخفياً فأحببتُ أن أُعْرَف فخَلَقتُ الخَلْقَ لكي أُعرف”

هاوي الجمع الغامض الذي أسّس مجموعة المخطوطات الإسلامية في المكتبة الوطنية

أورثَ هاوي الجمع، يوحنان بن دافيد، متحف إسرائيل مجموعته الفنية، وقدّم للمكتبة الوطنية مخطوطات شكّلت فاتحةً لمجموعة المخطوطات في المكتبة. على الرغم من مكانته في مجاليّ الفن والتجميع، إلا أنّه غير معروف لدى الجمهور العام. بنظرة إلى حياة يوحنان بن دافيد، نكتشف شخصية غامضة، يغلب فيها الجانب الخفيّ على الجانب الجليّ.

هاوي الجمع يوحنان بن دافيد

هذا المقال مترجم عن راحيل غولدبيرغ

في صباح يوم سبت من العام 1969، توقفت سيارتان تابعتان لسفارة إسرائيل خارج مبنى سكني يبدو عاديًا في شمال لندن. كان مالِك الشقة، هاوي الجمع يوحنان بن دافيد، قد توفي قبل ذلك بفترة وجيزة. قبل وفاته، أورث بن دافيد دولة إسرائيل مجموعته الفنية بالكامل، والتي اعتبرها “مجموعة رائعة، لا مثيل لها في المتحف البريطاني أو في متحف القاهرة”. وبالفعل، فقد عُرضَ جزء من المجموعة في مطلع القرن العشرين في صالات عرض مرموقة، ولكنّ أحدًا لم يعرف حجم المجموعة الحقيقي ومحتوياتها.

عندما قام طاقم السفارة بفتح الغرف، والتي كانت مُقفلة لمدة طويلة، اكتشف كنزًا مُغلقًا يحتوي على مخطوطات، سجّاد، أسلحة ومختلف القطع الفنية من الهند وبلاد فارس. فور اكتشاف هذا المشهد المفاجئ، تم تجنيد موظفين إضافيين وسيارات إضافية لنقل المجموعة إلى مقر السفارة. ومن هنا، شقّت المجموعة طريقها إلى إسرائيل تدريجيًا، عبر الحقيبة الدبلوماسية.

تشكّل مجموعة يوحنان بن دافيد القاعدة الأساسية لمجموعة الفنون الإسلامية في متحف إسرائيل، وتشكل فاتحةً لمجموعة المخطوطات الإسلامية في المكتبة الوطنية. ولكن مع أنّ المجموعة كبيرة، مُدهشة وتدل على مهنية هاوي الجمع وذوقه المميز والرفيع، إلّا أنّ بن دافيد غير معروف تقريبًا لدى الجمهور العام.

كوب نارجيلة بنمط قاجاري، إيران، القرن الـ 19. نحاس مطليّ بالقصدير، ومرصّع بالذهب. متحف إسرائيل، القدس. تِركة يوحنان بن دافيد، لندن. 2017.040.0344. تصوير © متحف إسرائيل، القدس

 

ولد يوحنان بن دافيد (بالفارسية: يوحنا داوود) في عام 1885 لعائلة يهودية ميسورة الحال من طهران، إيران. تنقّلت عائلته بين بلاد فارس والهند، وفي عام 1907، حضر بن دافيد إلى بريطانيا لدراسة تاريخ الفن والأدب في جامعة كامبريدج. بعد إنهاء الدراسة، بدأ بتقديم الاستشارة لمختلف هواة الجمع، من بينهم هاوي الجمع السويسري موسير (Moser). إلى جانب الاستشارة التي قدّمها للآخرين، أنشأ لنفسه مجموعة مخطوطات ذاتية. في عام 1920، تبرّع بمخطوطات فارسية للمكتبة البريطانية، خاصة رسائل لعبد البهاء ومخطوطات أخرى خاصة بالبهائيين. في عام 1925، تبرّع ببعض المخطوطات للمكتبة الوطنية التي أقيمت للتو. أوصى بروفسور دافيد إيدر، وهو طبيب وناشط صهيوني عمل في بريطانيا بتكليف من الجامعة العبرية، بقبول التبرع. بعث إيدر إلى هوغو برغمان، رئيس المكتبة في حينه، رسالةً تنصّ على أنّ المخطوطات التي قدّمها بن دافيد ستستكمل المجموعة قيد الإنشاء في مكتبة الدراسات الشرقية. يقول إنّ مكتبة جولد تسيهر، التي ألحقت بالمكتبة قبل ذلك بفترة وجيزة، شكّلت ركيزة لمجموعة الكتب في المدرسة، والتبرع الذي قدّمه بن دافيد هو مكمل لهذه المجموعة بما يحوي مخطوطات. في عام 1925، تبرّع يوحنان بن دافيد للمكتبة الوطنية بـ 39 مخطوطة في مجالات متنوعة، أبرزها المخطوطات المزخرفة للشاعر الفارسيّ حافظ الشيرازي، جلال الدين الرومي والجاميّ. تبرّع أيضًا بمخطوطات لمؤسّس الديانة البهائية، بهاء الله.

رسومات فارسية مصغّرة، من مجموعة يوحنان بن دافيد

 

تشير د. سيفان ليرر من الجامعة العبرية إلى أنّ بن دافيد لم يكن الوحيد الذي اعتنق الديانة البهائية إلى جانب الديانة اليهودية، فقد سَبق وفعل ذلك قبله عدد كبير من اليهود المنحدرين من أصول فارسية. في عام 1911، أتى نجل مؤسس الديانة البهائية وخليفته، عبد البهاء، في زيارة إلى لندن وباريس للالتقاء بأتباعه. خلال زيارته، زوّج بن دافيد من زوجته، رجينا خانُم. في وصف الزواج في كتاب عن رحلة عبد البهاء، كُتب أنّ عائلة العروس كانت من أتباع بهاء الله منذ فترة إقامته في العراق. يعبر بن دافيد في مذكراته عن ولائه لعبد البهاء، ولكنه يحرص على التشديد على هويته اليهودية، على سبيل المثال، كتابة التاريخ حسب التقويم العبري إلى جانب التقويم الميلادي. الألبوم العائلي الذي أعدّه يتضمّن كتاب الشروط اليهودي للزواج من رجينا.

حافظة أقلام مزخرفة بثلاثة ملائكة قاجاريين. تحمل توقيع أبو الحسن الغفاري، أصفهان، إيران، نمط قاجاري، ورق معجون ملوّن ومطليّ بالبرنيق. متحف إسرائيل، القدس وتركة يوحنان بن دافيد، لندن  B69.0747  تصوير © متحف إسرائيل، القدس بعدسة عوديد لوبل

تبرّع بن دافيد مجددًا للمكتبة الوطنية في عام 1946. في تبرّعه هذا، قدّم للمكتبة الوطنية 56 مخطوطة، خاصة في مجال القوانين الإسلامية. في عام 1956، بعث رسالة إلى مدير المكتبة الوطنية، بروفسور دافيد وورمان، وطلب التبرّع بالجزء المتبقي من مجموعته بشرط مساعدته على الهجرة إلى إسرائيل والمساعدة في إعداد كتالوج المواد. رغبته الشديدة في الهجرة إلى إسرائيل لم تتحقق، وتوفي في إنجلترا بعد سنوات معدودة.

كان بن دافيد شخصًا روحانيًا جدًا. يحتوي أرشيفه، الموجود في المكتبة الوطنية، على مئات المخطوطات التي تتضمن أفكارًا كتبها بنفسه بخصوص الله، شعب إسرائيل ودور المؤمن في هذا العالم. شكّلت هذه المخطوطات ركيزة لمؤلفات لاهوتية كاملة يستعرض فيها عقيدته اللاهوتية حول مكانة شعب إسرائيل في العالم.  ففي مجموعة ألّفها لذكرى شقيقه يكوتيئيل، يدعي أنّ عهد الختان هو العلامة التي تميّز الشعب اليهودي المختار، والذي حظي بحماية الله ليصرّح بحقيقته أمام العالم، و”إقامة ملكوته في الدنيا مثل ملكوت السموات”. هذا الاقتباس مماثل تقريبًا لـ “الصلاة الربيّة” المسيحية. هذا الدمج بين التقاليد يدلّ على المرونة التي اعتمدها في تبنّي تقاليد مختلفة بلورها بنفسه لينتج عنها توجّه روحاني خاص به.

صفحة من مجموعة مؤلفات يوحنان بن دافيد لذكرى شقيقه

نجد بين المحتويات المميزة في أرشيف بن دافيد كتابًا عن التاريخ العائلي الذي أعدّه بنفسه. الكتاب، المزخرف بآيات كتبها بن دافيد وزيّنها بذوق رفيع، مزيّن أيضًا بفقرات من مخطوطات قصّها بنفسه وألصقها كأطر حول الصور والشهادات المختلفة في الكتاب.

الشخصية المميزة التي تحلّى بها يوحنان بن دافيد، ومجموعته الرائعة شكّلا مصدر إلهام لثلاث معارض؛ اثنين لفنانة المنسوجات كاتيا أويحرمان “غرفة هاوي الجمع” و  Rendering of Writings” و “حقيقة الأشياء” للمصوّرة عيليت أزولاي.