سعيد بن يوسف الفيومي: التعريف به وبآثاره

أحد أعظم الشخصيات الدينية اليهودية وأغزرها ثقافة وكتابة. ولد في فيوم مصر، ونشط في بغداد، واشتهر بالاسم سعاديا هغاؤون في العالم اليهودي.

تفسير التوراة بالعربية

أحد أعظم الشخصيات الدينية اليهودية وأغزرها ثقافة وكتابة. ولد في دلاص في فيوم مصر، وليس في قرية أبو صوير كما هو شائع في الأدبيات العربية الحديثة، ونشط في بغداد (882-942م)، واشتهر بالاسم سعاديا هغاؤون في العالم اليهودي، ووقف على رأس عمله بصفته رئيس إحدى أهم مدرستين دينيتين يهوديتين في العالم اليهودي وكلتاهما في العراق (منذ القرن الثالث وحتى الحادي عشر الميلادي)، حملت الأولى اسم مدرسة “سورا”، وهي المدينة التي يطلق عليها حاليًا اسم أبو صُخير، مركز قضاء محافظة القادسية في منطقة الفرات الأوسط، وجنوب بغداد. أما الثانية فهي مدرسة “فومبديتا” وهي مدينة الفلوجة، أو إحدى البلدات المجاورة لها. ترأس الفيومي مدرسة سورا بينما كانت تمر في أصعب فترة لها، فأنعشها بعد نقلها إلى بغداد واستمرت حتى وقت متأخر في النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي.

انتقل من بلدته في الفيوم في جيل الشباب، ويبدو أنه درس في إحدى مدارس مدينة طبريا الدينية لبضع سنين، وانتقل بعد فترة ما في بلدات سورية إلى الاستقرار في بغداد حيث تولّى رئاسة مدرسة سورا الدينية (في سنة 928م).

نستدل بكتاباته الغزيرة، التي طالت الفقه الديني وعلم الكلام وعلوم اللغة المختلفة والشعر والترجمة والتفسير، على ثقافته الواسعة والغنية في العلوم والفلسفة وصنوف الأدب والشعر. وكان بلا شك مطلعًا على العقائد والديانات والفرق العديدة المنتشرة في العراق بلغاتها ومجموعاتها الإثنية المختلفة، لا سيما في بغداد، تلك المدينة الجديدة التي استقطبت مختلف صنوف الحرف والعلماء والمثقفين.

استفاد الفيومي بشدة من حركة الترجمة من السريانية واليونانية والفارسية والهندية وغيرها إلى العربية، وتركت هذه الثقافات المختلفة أشد الأثر على اصطلاحاته وتوجّهاته التي يمكن التعبير عنها من خلال لفظة “الأدب” بمعانيها الواسعة.

نشر جميع ترجماته وتفسيراته لأسفار الكتاب اليهودي المقدّس، وكذلك كتابه الكلامي الأهم “الأمانات الاعتقادات”، المتأثر بصورة جلية باصطلاحات وتوجّهات علم الكلام المعتزلي، وكتب ومصنّفاته الفقهية والنحوية، بالعربية ولكن بأحرف عبرية مع تطعيمها باقتباسات عبرية وآرامية، وهو الشكل الذي يطلق عليه تعبير “العربية اليهودية”.

تكمن أهمية كتاب “الأمانات” في كونه يعكس لنا طورًا هامًا من أطوار تطوّر علم الكلام الإسلامي المعتزلي وأشكال تأثيره على الأدبيات اليهودية في تلك الحقبة بالغة الأهمية، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى إحداث ثورة فكرة ولاهوتية في اليهودية، والتي بدأها بلا شك الفيومي، ربما بتأثير الفرقة اليهودية القرائية التي انفتحت كثيرًا على العلوم والآداب غير اليهودية لا سيما الإسلامية منها في وقت مبكّر.

تعكس ترجمات الفيومي لعدد كبير من أسفار الكتاب اليهودي المقدّس طورًا متقدمًا من الترجمة التي تركّز على نقل المعاني أكثر من التزامها بحرفية النصوص، وهو ما يميّز ترجمات الفيومي خاصة حتى يومنا هذا.

يعتبر الفيومي أول رجل دين يهود يتمتّع بسلطة دينية وقيادية يضفي الشرعية على الانفتاح على العلوم الحديثة في زمانه، بعد أن كانت محرّمة شرعًا حتى عصره، واتّسمت اليهودية قبله بالانغلاق والخشية من التأثّر من آداب وعلوم غير اليهود. ولهذا، نراه يُحدث ثورة في العالم الثقافي اليهودي ويمدّ اليهودية بصفتها دينًا بأدوات ومعارف جديدة ساهمت بصورة كبيرة في إحداث ثورة فكرية داخل اليهودية.

وأكثر ما يشد انتباهنا في عصرنا الحالي في كتابات الفيومي فهما نقطتان، تتمثّل الأولى في تعريفه التالي للهوية الجمعية لليهود البعيد كل البعد عن أي ملامح إثنية: “لأنَّ أمّتنا بني إسرائيل إنما هي أمّة بشرائعها” (الأمانات والاعتقادات، المقالة 3). أما الثانية فتتمثّل في مركزية الإنسان في فكره وكتاباته كلّها. فنراه يسعى من خلال كل ما يكتبه إلى “تهذيب” فكر وأخلاق وسبل حياة الإنسان، وبهذا المعنى فهو قريب جدًا من منهج الفيومي ابن عصره وابن مدينته. لن يكون هذا مفاجئًا لنا إذا أدركنا أن التوجّه العام للفيومي يقوم على فرضية أساسية مفادها أن الإنسان هو محور الخليقة وغايتها، فكل ما عداه أدوات لخدمته. وفيما يلي مقتطفات صريحة لهذه الفكرة المركزية في فكره والمستندة كذلك إلى الكتاب اليهودي المقدّس:

  • “إنَّ الإنسان لا يفعل شيئًا إلّا وهو مختار لفعله، إذ لا يجوز أن يفعل مَن لا اختيار له ولا مَن ليس هو مختارًا” (الأمانات والاعتقادات، المقالة 4).
  • “عرّفنا ربّنا على يد أنبيائه أنه فضّل الإنسان على جميع خلقه “واستولوا على سمك البحر وطائر السَّماء” (التكوين 1: 28)، وعلى ما قال في مزمور: “الَّلهُمَّ يا سيِّدنا ما أعظم اسمك في جميع الأرض” (المزامير 8: 2) إلى آخره؛ وأنه أعطاه القدرة على طاعته ووضعها بين يديه وضعًا ومكّنه وخيّره وأمره أن يختار الخير […] ثمَّ نظرنا بصناعة النظر بما ذا شرّفه فوجدنا وجه تشريفه بالحكمة التي جعلها له وعلّمه إيّاها كما قال: وإنْ سألك الحيوة أعطيتها له، المُعلِّمُ الإنسانَ المعرفة (المزامير 21: 5؛ 94: 10)، فهو بها يحفظ كلّ شيء ماضٍ من الأفعال، وبها ينظر في كثرة من العواقب التي تأتي، وبها يصل إلى تسخير الحيوان ليفلحوا له الأرض وينقلوا إليه غلًاتها، وبها يصل إلى استخراج الماء من عمق الأرض حتى صار على وجهها بل صنع له النواعير التي تستسقى منها، وبها يصل إلى بناء المنازل السريّة ولباس الثياب الفاخرة وإصلاح الأطعمة اللذيذة، وبها يصل إلى قود الجيوش والعساكر وتدبير المَلِك والسلطان حتى انضبط الناس وتسقّموا، وبها يصل إلى علم هيئة الفلك ومسير النجوم ومقادير أجرامها وأبعادها وسائر أحوالها، فإنْ توهّم متوهّم أنَّ المفضَّل هو شي غير الإنسان فليُرِنا هذا المُفضَّل أو بعضه بغيره وذاك كلًا لا يجده فبحقّ أن يكون الإنسان المأمور والمُنهى والمُثاب والمُعاقب إذ هو قطب العالم وقاعدته كقوله: “إنَّ لله أركان الأرض” (صموئيل الأول 2: 8)، وقال: “والصَّالح أساس العالَم” (الأمثال 10: 25). فلمّا تبيّنتُ هذه الأصول وما يتفرّع منها علمتُ أنَّ تشريف الإنسان ليس هو وهمًا وقع في نفوسنا ولا ميل ملنا به إلى محاباته ولا إيثار حملنا وعجب وصلف أن ندّعيه لأنفسنا إلًا حقّ صحيح وصدق مبين. ولم يشرّفه الحكيم بهذا الأمر إلًا لأنه جعله موضعًا لأمره ونهيه، كما قال: “ثمَّ قال للأدميّين إنَّ تقوى الله هي أيضًا حكمة والزوال عن الشرّ فهم أيضًا” (أيوب 28: 28)” (الأمانات والاعتقادات، المقالة 4).

برغم اهتمام الفيومي بالتدريس وتوفير طلبة علم يهود في عصره، إلّا أن سلسلة الطلّاب هذه لم تستمر لفترة طويلة، بل نراها تتضاءل شيئًا فشيئًا بعد مماته، الأمر الذي أدّى في نهاية المطاف إلى إغلاق مدرسته الدينية في منتصف النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي. أما بعد انتقال مركز العلوم اليهودية إلى أوروبا، بدءًا من القرن الحادي عشر الميلادي، وترجمة بعض نصوص الفيومي إلى العبرية، نشهد أنها نقلت من خلال قوالب لغوية وأدبية يهودية تقليدية، لعدم قدرة اللغة العبرية في حينه على نقل العالم الفكري والثقافي باصطلاحاته وتوجّهاته الغنية التي شاعت في الحواضر الإسلامية.

السبت: يوم مبارك ومقدّس ويوم عطلة

السبت هو يوم مبارك ومقدّس ويوم استراحة وعطلة من جميع الأعمال في الديانة اليهودية، ويرمز إلى عقيدة الخلق في ستة أيام.

مخطوط لكتاب موسى بن ميمون، جملة أحكام الشريعة وإعمالها – القرنان 16-17م، صفحة من صدر الكتاب

مخطوط لكتاب موسى بن ميمون، جملة أحكام الشريعة وإعمالها – القرنان 16-17م، صفحة من صدر الكتاب.

يعتبر يوم السبت يومًا مميزًا في اليهودية على ثلاثة مستويات، فهو اليوم الوحيد في التوراة الذي باركه الرّب وقدّسه وفرضه كيوم عطلة. نقرأ في التوراة: “وبارك الله اليوم السابع وقدّسه” (التكوين 2: 3، وكذلك نقرأ في سفر الخروج 20: 11). أما على المستوى الثالث، فقد أمر الرّب عطلة في يوم السبت، بمعنى أنه يوم يتمتّع بحرمة، مثلما نقرأ: “وأما اليوم السابع فهو “سبت للرّب إلهك، لا تصنع فيه عملًا ما” (الخروج 20: 8-9)؛ وقد أكّد الفقهاء اليهود على طول العصور على ذلك ووضعوا الأنظمة والصلوات والتسابيح التي تؤكّد على ذلك.

توراتيًا، تعتبر فريضة الحفاظ على حرمة السبت وقدسيته إحدى أهم الشرائع المفروضة على كل يهودي (وعددها 613 فريضة) كما نقرأ في أسفار التوراة وأدب الفقهاء السلف. وردت هذه الفريضة بداية ضمن قائمة الوصايا العشر (الخروج 20)، وذكرت مرات عديدة في بقية الأسفار. ولكن متى يبدأ وينتهي اليوم في اليهودية؟ وفق تقسيم اليوم فقهيًا، ينتهي النهار ويبدأ اليوم الجديد فترة قصيرة بعد غروب الشمس عند الشفق، وهو أول ظلمة الليل بعد الغروب، ويبدأ الليل عند الغسق وهو أول ظلمته، وكل هذا يعود إلى قصة خلق آدم المخلوق في فترة زمنية يطلق عليها الفقهاء تعبير “بين الشموس”، والمقصود بها الفترة التي تفصل بين الشفق والغسق، وهو بداية اليوم. فالسبت يبدأ إذًا منذ لحظة الغسق وينتهي في الشفق بعد غروب الشمس بعد النهار التالي.

على سبيل المثال، نقرأ في سفر الخروج: “اذكر يوم السبت لتقدّسه. ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للرّب إلهك. لا تصنع فيه عملًا ما” (20: 8-9)؛ “سبوتي تحفظونها … فتحفظون السبت ستة أيام يصنع عمل، وأما اليوم السابع ففيه سبت عطلة مقدّس للرّب … فيحفظ بنو إسرائيل السبت” (31: 13- 16)؛ “ستة أيام يعمل عمل، وأما اليوم السابع ففيه يكون لكم سبت عطلة مقدّس للرّب … لا تشعلوا نارًا في جميع مساكنكم يوم السبت” (35: 2- 3).

مخطوط لكتاب موسى بن ميمون، جملة أحكام الشريعة وإعمالها – 1914، اليمن
مخطوط لكتاب موسى بن ميمون، جملة أحكام الشريعة وإعمالها – 1914، اليمن

 

كتاب المشنا (ترجمة متن التلمود)
كتاب المشنا (ترجمة متن التلمود)

ولكن، لا تكتفي أسفار التوراة بذكر الفرض فقط، بل تزيد وتشير إلى علّته وسببه والفائدة منه والحكم المفروض على كل يهودي ينتهكه. نقرأ في سفر التكوين أن قدسية يوم السبت نابعة من حقيقة أن الرّب قد “استراح”، أو أنهى عملية الخلق، في اليوم السابع (السبت): “وبارك الله اليوم السابع وقدّسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقًا (التكوين 2: 3). كما ونقرأ في سفر الخروج كذلك أن حرمة السبت وقدسيته نابعة من عدة أسباب وعلل أخرى. الأول، أنه علامة بين الرّب وبني إسرائيل تفيد “إني أنا الرّب الذي يقدّسكم” (الخروج 31: 13)، بمعنى أن الرّب قد جعل السبت علامة لتقديس الرّب لبني إسرائيل؛ ويضيف في الثاني والثالث سببين إضافيّين غير مرتبطين بقدسية بني إسرائيل ويفيدان الإطلاق، الثاني: لأنه يوم “مقدّس لكم” (31: 13)، والثالث لأنه “مقدّس للرّب” (35: 2)، بمعنى “إنه سبت للرّب” (اللاويّين 23: 3؛ التثنية 5: 14)، كما ونقرأ في سفر النبي إشعياء اصطلاحين يفيدان نفس هذا المعنى: “يوم قُدسيومقدّس الرب” (إشعياء 58: 13). أما السبب الرابع، وهو السبب الأول المذكور في التكوين، فيفيد معنى آخر مختلفًا تمامًا: “اذكر يوم السبت لتقدّسه … لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع، لذلك بارك الرب يوم السبت وقدّسه” (الخروج 20: 8- 11)، وكذلك: “لأنه في ستة أيام صنع الرّب السماء والأرض، وفي اليوم السابع استراح وتنفّس” (الخروج 31: 17). ونقرأ في موضع آخر إضافة سبب خامس مفاجئ يختلف كليًا عن جميع الأسباب السابقة ومفاده أن فرض الحفاظ على قدسية السبت نابع من تحرير أبناء إسرائيل من عبودية مصر بقوة شديدة: “احفظ يوم السبت لتقدّسه كما أوصاك الرّب إلهك … واذكر أنك كنت عبدًا في أرض مصر، فأخرجك الرب إلهك من هناك بيد شديدة وذراع ممدودة، لأجل ذلك أوصاك الرّب إلهك أن تحفظ يوم السبت” (التثنية 5: 12- 15).

 

تتجسّد قدسية السبت وحرمته في الامتناع عن ممارسة بعض الأعمال، وعددها 39 عملًا، وهي الأعمال المقابلة لتلك الأعمال التي نفّذت في بناء هيكل سليمان (الخروج 31)، ويطلق عليها السلف تعبير “أمّهات الأعمال” ومنها تتولّد أعمال إضافية. وتشمل هذه الأعمال جميع أنواع العمل المعتمدة في الزراعة، من غرس وزرع وحصاد وقطف للثمار وتقليم للأشجار وحرث للأرض ودرس للحبوب وتنقيتها وغيرها الكثير؛ والأعمال المخصّصة لصناعة الملابس والأقمشة بجميع تفاصيلها؛ وكذلك الصيد والذبح وكل الأعمال المرافقة لذلك من سلخ وتنظيف وغيرها؛ وإشعال النار وإخمادها؛ والطبخ وكل ما يتخلّله؛ والسفر؛ والخروج من حيّز المدينة، كما تخبرنا مجاميع الأحكام (المشناه، السبت 7ب؛ موسى بن ميمون، جملة أحكام الشريعة وإعمالها (سفر همتسڤوت)، الفريضة رقم 329، وهي الفريضة 24 بحسب ترتيبها في التوراة).

أما العقوبة التوراتية المفروضة على منتهك حرمة السبت وقدسيته فهي القتل بصورة صريحة: “فتحفظون السبت لأنه مقدّس لكم، من دنَّسه يقتل قتلًا. إن كل من صنع فيه عملًا تقطع تلك النفس من بين شعبها … كل من صنع عملًا في يوم السبت يقتل قتلًا” (الخروج 31: 14- 15). أما الحاخامات السلف فقد بدّلوه بعقاب تقديم الأضاحي للتكفير عن هذا الاثم (المشناه، السبت 7أ؛ بن ميمون، جملة أحكام الشريعة وإعمالها، الفريضة رقم 320، وهي الفريضة 32 بحسب ترتيبها في التوراة)، وذلك لأنهم اعتبروا أن انتهاك حرمة السبت يتم “سهوًا” لا “قصدًا”.

لاهوتيًا، تتعقّد مسألة تقديس السبت بعض الشيء، ولطالما بدأ النقاش بالتساؤل الأساسي حول تقسيم الأفعال: فمنها فعل عبث الذي لا يُقصد منه أي غاية؛ وفعل اللعب هو ذلك الفعل الذي لا يُقصد به أمرًا ضروريًا أو مفيدًا؛ والفعل الباطل هو الفعل الذي يقصد به فاعله غاية ما ولكنها لا تتحقّق؛ أما الفعل الأخير فهو “الفعل الجيد الحسن”، وهو “الفعل الذي يفعله فاعله لقصد غاية شريفة، أعني ضرورية أو نافعة، وتحصل تلك الغاية”، كما جاء عند بن ميمون. ويخبرنا بن ميمون كذلك قائلًا: “إنه لا يتّسع لذي عقل أن يقول إن شيئًا من أفعال الله باطل أو عبث أو لعب”، ويضيف أن المؤمنين بشريعة موسى يرون أن جميع أفعال الرّب “كلّها جيدة حسنة جدًا، [فقد] قال: “ورأى الله جميع ما صنعه فإذا هو حسن جدًا” (التكوين 1: 31). فكل ما فعله تعالى من أجل شيء، فإن ذلك الفعل ضروري في وجود ذلك الشيء المقصود أو مفيد جدًا … وهكذا هو أيضًا الرأي الفلسفي أن ليس في الأمور الطبيعية كلّها شيء على جهة العبث” (موسى بن ميمون، دلالة الحائرين، طبعة حسين آتاي، الجزء الثالث، الفصل 25، ص 565- 567). وينتهي بن ميمون، وهو يعكس توجّه التفسير الذي يرد في تراث السلف والمتأخرين على حد سواء، إلى أن الشرائع الإلهية جميعها تبتغي غاية ما وهي حسنة وجيدة: “إن كل أمر ونهي منها تابع لحكمة أو المقصود به غاية ما؛ وأن الشرائع كلّها معلّلة، ومن أجل فائدة ما شرع بها؛ أما كونها كلّها لها علّة ونحن نجهل علل بعضها، ولا نعلم وجه الحكمة فيه، فهو مذهبنا كلّنا الجمهور والخواص”. أما غاية الشريعة جميعها فهي صلاح نفس الإنسان وصلاح جسمه (المرجع السابق، الفصل 26، ص 570- 571؛ الفصل 27، ص 575).

بخلاف الرأي الخاطئ الشائع بين العامة الذي يعاين السبت من خلال اصطلاحات الجهد المبذول، أي أن السبت مقدّس بمعنى أنه يحرم على المؤمن اليهود أن يبذل أي جهد، والحقيقة أنه يمكن أن نستشفّ ذلك من خلال السياقات التي تذكر قدسية السبت في التوراة، فإن جوهر التحريم سببه، وفق التراث الطويل من التفسيرات وتعليقات الفقهاء على مدار مئات السنين، أن يكون المؤمن سببًا في إحداث تغيير ما طيلة يوم السبت. على سبيل المثال، لماذا يحرّم إشعال أو إخماد النار، أو تشغيل الكهرباء، أو الطبخ، أو فتح قارورة كانت محكمة الإغلاق في السبت؟ لا بسبب ضرورة بذل جهود معينة لتنفيذها، بل لأن أي من هذه الأفعال يتسبّب في إحداث تغيير وبداية سيرورة، كذلك الأمر بخصوص الطبخ والزراعة والعمل بالقماش وغيرها. وبمفهوم معين، فإن هذا التحريم يفرض مشابهة بين فعل الإنسان وفعل الرّب عند خلقه الكون، فكما أن الرّب عمل وأبدع طيلة ستة أيام وفي اليوم السابع “استراح”، بمعنى التوقّف عن الخلق، لا بمعنى الراحة الجسدية الصادرة عن بذل جهد، كذلك يجب على اليهودي أن يفعل. ومن خلال “عطلة” أو “استراحة” المؤمن في السبت، فإنه يعود بذلك على قصة الخلق مرة تلو الأخرى، كما ويعود ويؤكّد كل أسبوع من جديد على أن الرّب خلق الدنيا في ستة أيام وأنه لم يكن فكان من لا شيء قبله. فالسبت تذكرنا من هو خالق العالم. وقد عبّر النبي سليمان عن هذا “التذكير” حين قال “إنْ وُجد شيء يقال عنه: انظر، هذا جديد!، فهو منذ زمان كان في الدهور التي كانت قبلنا” (سفر الجامعة 1: 10). فكل ما “يكتشفه” الإنسان إنما كان قائمًا منذ الخلق، ولكن الإنسان يعثر عليه ليس إلّا. فقوة الكهرباء وموجات الراديو وقوة الجاذبية وكذلك الإنترنت وأشعة الليزر كانت قائمة في الخليقة، ولكن ما يفعله الإنسان أنه يعثر عليها فقط. فكل شيء قد خُلق في ستة أيام الخليقة. وحين يعمل الإنسان على مدار ستة أيام ويستريح يوم السبت فهو إنما يتشبّه بالخالق ويصبح بمثابة “خالق” صغير، كما وأنه حين يتوقّف عن عمله يوم السبت فإنما يؤكّد بذلك على أنه ليس “سيّد” العالم بل هو منصاع إلى سلطان الكون.

الفقه اليهودي: مصادر سلطته | طابون عخناي (فرن الأفعى)

الفقهاء اليهود هم السلطة الحصرية لمناقشة التشريعات الدينية ولا مكان للتدخّل السماوي في المسائل الفقهية. للمزيد في المقال.

كتاب الأحكام الشرعية

كتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية للإسرائيليين

تعتبر مسألة مصادر سلطة مناقشة المسائل الفقهية وتحديد الشرائع غير التوراتية من المسائل المفاجئة، لا سيما للجمهور المسلم، لأن السلف اليهودي قد فرض أنه يتعيّن على الفقهاء أن لا يعتمدوا على الوحي أو الأحلام أو الإلهام في مناقشاتهم للمسائل الفقهية، بل عليهم أن يلتزموا بالعقل البشري واجتهاد الفقهاء حصرًا للبت في المسائل الفقهية. وأما بداية هذا النقاش، وفق التراث اليهودي، فقد ظهر في الحقبة الفاصلة بين خراب الهيكل الثاني وفشل ترّد بار كوخبا (70-136م)، ويطلق على فقهاء هذه الحقبة تعبير “الثنويون” (تنائيم – من لغة التلقين وقراءة وفحص النص على الدوام مرة بعد الأخرى).

ترد في إحدى صفحات التلمود البابلي (الباب الأوسط 59ب) قصة تعالج خلافًا فقهيًا ظهر بين هؤلاء الفقهاء، ودار هذا الخلاف حول مسألة فقهية محدّدة مرتبطة بالطّهارة والنّجاسة.

ولكن قبل الوقوف عند خلاصتها، نتوقف عند معنى الاسم “طابون عخناي”. عخناي، أو حخناي، هو تصحيف كلمة “أكيدنا” السريانية والمأخوذة من اليونانية وتعني أفعى، وهناك اعتقاد يقول إنَّ عخناي هو اسم علم كان يعمل في بناء الطوابين في حينه. أما “طابون” فهو فرن الطهي والخبيز، ويتشكّل من الطّوب بحيث تلتصق الطوب بعضها ببعض عن طريق وضع الرمل بين الواحدة والأخرى. أما “طابون عخناي” فهو ذلك الطابون الذي يتخذ شكل الأفعى حين تلتف حول نفسها. وهناك مجازًا تلموديًا يقول “هكيفوهو كتنورو شل عخناي” (أحاطوا به كطابون عخناي) ومعناه مجازًا: أحاطوا بالشيء من كلّ جانب. ويتلخّص السؤال المطروح أمام الفقهاء في كيفية التعامل مع هذا الطابون، هل يجب اعتباره أداة واحدة قائمة بذاتها، لا سيما وأنَّ الطين يوضع على الطوب من الخارج، أم كأداة مكسورة أو أداة ترابية، ووفق الفقيه شلومو يتسحاقي (فرنسا ت. 1105م) فقد اعتبر الفقيه إليعازر هذا الطابون شأنه كشأن عمارة البيت، وبهذا يحكم عليه كالحكم على عناصره المكوّنة له، ألا وهو التراب الذي يعتبر طاهرًا ولا تلحقه نجاسة بحسب الشريعة اليهودية التقليدية. فإذا قمنا بتفكيك هذا الطابون إلى عناصره المكوّنة له وأعدنا بناءه من جديد بواسطة لصق أجزاء الطّوب بواسطة الطين، هل يعتبر في هذه الحالة أداة لا تقبل النجاسة، لأن عناصره لا تقبل النجاسة (لأنه من التراب بالأصل)، أم لا، كما اعتقدت غالبية الفقهاء في حينه لأنه أداة واحدة متكاملة، والعديد من الأدوات المستخدمة في الطهي تقبل النجاسة، بصرف النظر عن العناصر المكوّنة له؟

تحوّل هذا النقاش الفقهي إلى خلاف مبدئي بشأن مكانة الوحي في مختلف درجاته ومراتبه والمعجزات و”هاتف من السّماء” (بت قول) في المسائل الفقهية. وتجدر الإشارة إلى أن رجال الدين في اليهودية يتمتّعون بدرجات قداسة معينة تؤهّلهم التواصل مع الوحي. بعبارات أخرى، فقد تحوّل النقاش إلى خلاف بشأن مصادر سلطة البت في المسائل الفقهية، هل يمكن الاعتماد على رسائل إلهية في تحديد الشرائع فقهيًا والبت عمومًا في مسائل فقهية، أم لا؟ فيمكن أن يأتي أحد الفقهاء في سياق مناقشة مسألة فقهية معينة ويدّعي استنادًا إلى عبارة توراتية معينة، أو القول إنه جاءه وحي من السّماء في الحلم أو اليقظة ليخبره بالشرع “السليم” الذي يجب التوصّل إليه في المسألة الفقهية المطروحة؛ بينما يأتي فقيه آخر فيدّعي مثله ولكن وحيه أخبره بشرع “سليم” آخر يجب اعتماده. ما هو العمل في مثل هذه الحالة؟ الحل الذي توصّل إليه الفقهاء حقبة “الثنويّين” عبر مناقشة مسألة “طابون عخناي”، هو أنَّ المسائل الفقهية مرتبطة حصرًا بالفقهاء أنفسهم والحجج التي يطروحنها واعتماد رأي الأغلبية في نهاية المطاف، استنادًا إلى العبارة التوراتية “وراءَ الأكثر فَمِلْ” (الخروج 23: 2- ترجمة سعيد الفيومي)، والتي تحوّلت إلى إحدى وصايا التوراة الـ613 المفروضة على اليهود جماعة وأفرادًا. ولكن تجدر الإشارة إلى أن الجملة التوراتية الكاملة التي أخذت منها هذه العبارة ترد بصياغة سلبية: “لا تَتْبَعِ الكثيرينَ إلى فِعْلِ الشَّرِّ، ولا تُجِبْ في دعوى مائلًا وراءَ الكثيرينَ للتَّحريفِ” (ترجمة فاندايك)، أيّ توصي هذه الجملة التوراتية عدم اتّباع رأي الأكثرية إذا كان يميل إلى الشرور وعدم الاستقامة، ولكنها لا تقول صراحة إنه يجب اعتماد رأي الأغلبية في الأمور الفقهية وأمور أخرى.

كتاب في فقه الذبيحة مقاصدها لأحد رجال الدين القرائيّين، غير معروف مؤلفها ولا زمان كتابته وربما في مصر.
كتاب في فقه الذبيحة مقاصدها لأحد رجال الدين القرائيّين، غير معروف مؤلفها ولا زمان كتابته وربما في مصر.

 

حاول الراب إليعازر بن هوركنيس، ممثّل التيار التقليدي في الفقه، أن يدعم الرأي الأول القائل إنَّ مسألة قبول أو عدم قبول الأداة النجاسة مرتبطة بقبول أو عدم قبول العناصر المكوّنة له النجاسة، من خلال الاستعانة بمعجزات والوحي. رفض طرف الأغلبية، وعلى رأسهم الراب يهوشع، جميع هذه الأسانيد والمعجزات وقول الوحي، وتعلّقوا بطرح مبدئي مفاده أنه لا مكان للتدخّل السماوي في المسائل الفقهية، استنادًا إلى عبارة توراتية “ليست هي بالسّماء” (التثنية 30: 12)، بل ترتبط هذه المسائل بصورة حصرية بالفقهاء أنفسهم، ويجب اعتماد رأي أغلبية الفقهاء في إصدار الأحكام بشأنها. وتجدر الإشارة إلى أنَّ هذا الطرح المبدئي استُخدم كذلك في تفسير التوراة ودراسة آثار الفقهاء السلف، فالتوراة بعد أن نزلت على موسى أصبحت بين يدي البشر، وهم المخوّلون حصرًا للبتّ فيها وتفسيرها، ولا دخل للرّب ولا للوحي في هذه الأمور.

ومن الهام بمكان الإشارة إلى أنَّ هذا النقاش يرتبط بصورة كبيرة بالثورة الدينية التي أحدثها الراب يوحنان بن زكايّ في أعقاب خراب الهيكل الثاني (70م)، والذي كان يعتبر حتى تلك الفترة مركز العبادة الحصري، وكانت العبادة تتمحور بالأساس حول تقديم القرابين والتقدمات. وعلى إثر خراب الهيكل، كان لزامًا على رجال الدين إدخال تغييرات كبيرة، فاستبدلت العبادة القديمة بفعل غياب الهيكل، بطقوس وممارسات بديلة، كالصلاة وقراءة التوراة ودراسته والبحث في آثار الفقهاء السلف وبناء الكنس. ولفعل ذلك كان يجب إعادة بناء المجمع الفقهي الأعلى (أو المحكمة العليا/السنهدرين) لطرح هذه الطقوس والممارسات البديلة والتصديق عليها.

الصلاة اليهودية بمختلف أنواعها ومواسمها وأزمانها

التلمود البابلي، الباب الأوسط 59ب: ترجمة

والتالي هو ما يعرف باسم طابون/فرن عخنايّ. تساءل (الفقهاء): ما معنى عخنايّ (أفعى) ولماذا أطلق عليه هذا الاسم؟ أجاب الراب يهودا عن صموئيل: لقد أحاط الفقهاء بالمسألة من كل جانب، كالأفعى التي تلتف حول نفسها، فنجّسوها. وردّد (الفقهاء) القول: في ذلك اليوم حين ناقش الفقهاء المسألة، طرح الراب إليعازر جميع الحجج الممكنة من أجل تعزيز رأيه، ولكنهم لم يقتنعوا بكل ذلك.

خاطبهم إليعازر قائلًا: إذا كان فقه الشريعة يتوافق مع رأيي، ستثبت شجرة الخروب هذه ذلك، فانتقلت شجرة الخروب من مكانها مسافة مائة ذراع، ويقول البعض بل أربعمائة ذراع. أجابه الفقهاء: لا نأخذ الدليل الشرعي من شجرة خروب. ثم قال لهم الفقيه إليعازر: إذا كان فقه الشريعة يتوافق مع رأيي، ستثبت قناة المياه ذلك، فتحوّل اتجاه الماء في القناة إلى الخلف. أجابه (الفقهاء): لا نأخذ الدليل الشرعي من قناة مياه. ثم قال لهم الفقيه إليعازر: إذا كان فقه الشريعة يتوافق مع رأيي، ستثبت جدران قاعة المجلس الفقهي ذلك، فمالت جدران القاعة إلى الداخل وكانت على وشك السقوط. وجّه الفقيه يهوشع صرخة باتجاه الجدران قائلًا لها: إذا كان فقهاء التوراة يتناقشون فيما بينهم في أمور فقه الشريعة، ما علاقتك بهذا النقاش؟ لم تسقط الجدران احترامًا للفقيه يهوشع، ولكنها لم تستقم احترامًا للفقيه إليعازر، وما زالت مائلة. عاد الفقيه إليعازر وقال لهم: إذا كان فقه الشريعة يتوافق مع رأيي، ستثبت السّماء ذلك. خرج هاتف من السّماء (بت قول) قائلًا: لماذا تخالفون الفقيه إليعازر، فإنَّ فقه الشريعة يتوافق مع رأيه في كل مسألة؟

وقف الراب يهوشع على رجليه وقال: “ليست هي بالسّماء” (التثنية 30: 12). يتساءل الفقهاء: ما علاقة عبارة “ليست هي بالسّماء” في هذا النقاش؟ أجاب الراب إرميا: بما أنَّ التوراة أعطيت في طور سيناء، فإننا لا نأخذ برأي الهاتف من السّماء، كما جاء في التوراة في طور سيناء: “مائلًا وراءَ الكثيرينَ” (الخروج 23: 2)، وبما أنَّ رأي غالبية الفقهاء خالف رأي الفقيه إليعازر، ففقه الشريعة لا يأخذ برأيه (بل ملتزم برأي الأغلبية). ويروي الفقهاء أنه بعد سنوات، التقى الفقيه ناتان بإيليا النبي وقال له: ماذا فعل القدوس تبارك اسمه في ذلك الوقت (عندما أصدر الفقيه يهوشع الحكم)؟ قال له إيليا: ابتسم القدوس تبارك اسمه وقال: لقد انتصر أبنائي عليّ، انتصر أبنائي عليّ.

يوسيف هكوهن بن شموئيل هليفي (عاش في القرن الـ14 أو الـ15)، كتاب في معاني شروط الذبيحة وتلخيص مقاصدها יוסף הכהן בן שמואל הלוי

يوسيف هكوهن بن شموئيل هليفي (عاش في القرن الـ14 أو الـ15)، كتاب في معاني شروط الذبيحة وتلخيص مقاصدها יוסף הכהן בן שמואל הלוי

 

قال الفقهاء: في ذلك اليوم، أحضروا جميع المأكولات التي أجازها الفقيه إليعازر بصفتها طاهرة وقذفوها في النار (لحرقها في الطابون/الفرن لأنها بحكم النجسة)، واتفق الفقهاء على هذا الحكم في ذلك ونبذوه (الفقيه إليعازر). وقال الفقهاء: من يذهب ليخبره بقرار نبذه؟ قال لهم الراب عكيفا (التلميذ المحبّب عليه): أنا أذهب لئلَّا يذهب آخر غير لائق فيبلغه بطريقة مهينة فيدمّر بالتالي العالم بأسره.

حينما يَنطِقُ الطير: لوحة العطار السردية

قصيدة فريد الدين العطار السردية "منطق الطير" ووصفه رحلة الصوفي حتى اتحاده مع وجود الله في داخله. فكيف سخّر الشعر لسرد قصته؟

منمنمة فارسية للرسام حبيب الله بعنوان "منطق الطير" موجودة في متحف الميتروبوليتان في نيويورك

على الرّغمِ من أنَّ التجاربَ الصّوفيةِ لا يمكنُ أبدًا التعبيرَ الكاملَ عنها باستخدام اللغة، حاولَ الصّوفيّونُ مراراً عبر التاريخ نقل تجاربهم بالموسيقى و الفنون البصّريةِ والأدب.

إنَّ أحدَ أكثرِ أعمالِ الشعرِ الصوفيِّ احترامًا وأهمية في التاريخ هو العملُ الضخم المسمّى ب”مَنطِقِ الطّير”، وهو مجموعةُ منَ القصائدِ للشاعرِ الفارسيِّ فريد الدين العطار والتي تعود للقرن الثالث عشر.

وُلد العطار في مدينةِ نيسابور في ما يُعرف اليوم بشمالِ شرق إيران وقضى معظم حياته في تلك المدينة. سنة ميلاده غير مؤكدة ولكن يبدو أنه بدأ حياته في وقت ما في أوائل منتصف القرن الثاني عشر و عاش حتى العقود الأولى من القرن الثالث عشر،اسمه الأصلي محمد و لقبه العطار، اذ يُرجح أنه انحدر من عائلة من العطارين أو الصيادلة.

هناك بشكل أساسي سبعة أعمال تنسب  إلى العطار ، أحدها هو عمل نثري يسمى تذكرة الأولياء وهو عبارة عن سلسلة من روايات السيرة الذاتية للصوفيين الأوائل. أما بقية أعماله فهي شعرية بمعظمها تشمل  ديوان،وهي مجموعة قصائدية متنوعة ،و كتاب أسرار نامه و كتاب مختار نامه. أما أشهر أعماله  والتي ستتناولها المقال القصيدة الطويلة بعنوان منطق الطير.

نُبين في هذا المقال كيف استعمل العطار كلماته لرسم صورة ممتعة عن رحلة الصوفيّ مستعينين بالنسخة العربية من الكتاب من ترجمة و دراسة الدكتور بديع جمعة.

 

نسخة ل”منطق الطير” للخطاط سلطان علي المشهدي،عام 1600م ، موجودة في متحف الميتروبوليتان في نيويورك (صورة توضيحية)

 

منطق الطّير

منطق الطير -أي حديث الطير- هو مصطلح مأخوذّ على الأرجحٍ من القرآن الكريم من سورة النمل ” وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ”1

تصّورُ كلماتِ القصيدةِ المفاهيم الصوفية من خلال سرد حكاية عن رحلة للطيور.تحكي القصيدة قصة اجتماع جميع طيور العالم لمناقشة من ينبغي عليهم تعيينهُ ملكًا لهم وبعد استصعابهم الامر يبدأ الهدهد، وهو أكثر الطيور حكمةً، في التحدث  مشيراً الى أن هناكَ طائرًا عظيمًا وأسطوريًا يُدعى سيمرغ يعيشُ في أرضٍ بعيدةٍ وأن عليهم الذهابَ للعثورِ عليه لمقابلة ملكهم الحقيقي، ولكن الطريق إلى هناك ستكون صعبة ومليئة بالعديد من المخاطرِ والعقبات.

يرفضُ قسمٌ من الطيور الذهاب مع الهدد متعللاً كلٌ منهم بعذرٍ مختلف، هنا يُمثِّلُ كلُّ طائرٍ جانبًا من النفس أو الأنا التي تتشبث بالأمور الدنيوية، فطائرٌ متعلقٌ بممتلكاتهِ وآخرٌ بسمعته.

يَرُدُّ الهدهد بدحضِ حُجَجِهم عن طريقِ سردِ حكاياتِ مأخوذة من أساطير شعبية أو من حياة الصوفيينَ السابقين، وكلها لها دلالةَ واضحة تنتقد ميلَ الإنسانِ إلى الانشغالِ بالنفس والدنيا. وبهذا يتمكّن الهدهدُ من إقناعِ عددٍ كبيرٍ من الطيور بالذهاب معهُ في هذه الرحلة الشاقة.

 

الرحلة

يمرُّ الطيورُ في رحلتهم  بسبعةِ أوديةٍ، لكل وادٍ اسمٌ خاص به ذو دلالة. هذه الأودية هي وادي الطلب الذي هو بداية الرحلة، فيها يبدأُ سالكُ الطريقِ (أي الصوفي) بالتخلي عن متعلقاته الدنيويةِ و يسعى لطلب “الحقيقة” ،مروراً بوادي العشق حيث تتخلّى الطيورُعن عقلها وتعتنق الحب الذي يدفعها لتحمل مشاق الطريق للوصول للمحبوب ( أي الله سبحانه و تعالى).

أما الوادي الثالث فهو وادي المعرفة الذي فيه يصبح كل فردٍ مبصراً قدرَ استاطعته، ثم يجد صدره في الحقيقة، وعندما يشرق سر ذاته عليه، يصبح موقدُ حَمامِ الدنيا روضةً لديه، ويرى لبَّه في دخيلته لا في جسده، كما لن يرى نفسه لحظة، حيث يرى الحبيب وحده، ومهما يرى، فسيرى وجهه على الدوام”. والرابع هو وادي الإستغناء وهو دلالة على تخلّي الصوفي عن الذات أو الأنا. أما الوادي الخامس فهو وادي التوحيد الذي فيهِ يُدرك الصّوفي اتحاده مع الله.

وصولا ً للوادي السادس، وادي الحيرة، الذي يمثلُ محطةً مهمةً على الطريق حيث يشعر الصوفيُ ( متمثلا بالطيور بالقصيدة) فجأةَ بشعورٍ من عدم اليقين والشك بايمانه ومعتقداته.

و أخيراً تصلُ الطيورُ الوادي الأخير وهو وادي الفقر والفناء، والفناء هنا بالمعنى الإيجابي، فالفناءُ بشيءٍ يعني البقاء بغيره، أي فناءُ الفردِ بدنيوته و بقاء الله.

 

 

نسخة تيمورية لاحقة من كتاب منطق الطير لفريد الدين العطار ( ١٢٣٠م)، المكتبة البريطانية (صورة توضيحية)

 

لقاء السيمرغ

بعد اجتيازِ الطريقِ الطويلةِ و الشاقةِ تصلُ القصيدةُ إلى ذروتها التي جعلتها واحدة من أشهر القصائد في التاريخ. اذ يصلُ ثلاثون طيرا فقط من أصل المئات الذين بدأوا الرحلة، ويظهر نوع من الوصي لاستقبالهم وبعد استجوابهم يرى أنهم مستعدون بالفعل للقاء السيمرغ، لذلك يقودهم إلى البوابةِ التي خلفها يكمنُ الجواب على كل أسئلتهم. ولكن عندما يصلون إلى تلك النقطةِ الأخيرةِ المنتظرة يتفاجؤونَ بأنفسهم يحدّقونَ بانعكاسهم بدلاً من لقاء ملكهم الذي وُعِدوا.

هنا يَكشِفُ العطّارُعن السرِّالعظيمِ الذي يكمُنُ في قلبِ القصةِ بأكملها، والمخبئ بالكلمة الفارسية” سيمرغ”.

“سي-مرغ ” تعني حرفيًا ثلاثين طائرًا . تبين أن الهدف من سعي الطيور لم يكن طائرًا قويًا كبيرًا أو شيئًا من هذا القبيل، بل كان الجوهرالأعمق لوجودهم.  بمعنى أن رحلتهم للبحثِ عن ملكهم ( أي الله سبحانه وتعالى ) لم تكن الا رحلةً للبحث عن نفسهم، و ليست الأولى بنقيض للثانية، بل على العكس، اذ يحاول ُالعطار بالقالب القصصي الممتع هذا تبيانَ الاعتقاد الصوفي بأن الله ليس شيئًا يمكنُ العثورُعليهِ في مكان ٍما ولكن في قلب المرء باعتباره جوهر كيانه.

 وعندما نظر الثلاثون طائرا على عجل ، رأوا أن السيمرغ هو الثلاثون طائرا . فوقعوا جميعا في الحيرة والاضطراب ، ولم يعرفوا هذا من ذاك،… فكلما نظروا صوبَ السيمرغ ، كان هو نفسه الثلاثين طائرا في ذلك المكان ، وكلما نظروا إلى أنفسهم ، كان الثلاثون طائرا هم ذلك الشيء الآخر. فهذا هو ذاك ، وذاك هو هذا ، وما سمع أحد قط في العالم بمثل هذا “

 

ما وراء القصة

إن الصور التي ينسجها العطار تحمِلُ بعضاً من أعمقِ الأفكار والمفاهيمِ الصوفيةِ وتنقلُ القارئَ إلى عالم مختلف. تمثِّلُ جميعُ أجزاءِ الحكاية جانبًا من جوانب الصوفية، أي أن الطيور تمثلنا نحن البشر والرغبات والارتباطات المختلفة لدينا تجاه العالم.

ويمثل الهدهد الشيخ الصوفي الذي يقود تلميذه على الطريق الروحي إلى الله، ويمثل هذا الطريق الرحلة التي تسيرها الطيور وتمثل الوديان السبعة المراحل أو المحطات التي سيمر بها الصوفي في هذه العملية لتنقية روحه في سبيل الاتحاد مع الله بحسب العطار.

أما السيمرغ فيمثل الله ،أي الحقيقة المطلقة، الذي تَبيَّنَ في النهايةِ حضوره في كلِّ ما حولنا في الواقع وأننا مجرد انعكاس لكيانه اللامتناهي.

هذه القصيدة شكّلت  تطوّرا للفن الصوفي، اذ استلهم العديد من الكتاب و الشعراء الصوفيين و غيرهم  الطريقة التي يعبر بها عن الجوانب العملية والفلسفية للصوفية من خلال القصص السردية والشعر الجميل. وهذا لم يَغب عن شخصيات مثل الرومي. في الواقع، الرومي هو مجرد مثال واحد لشخصيةِ اعتبرت العطارَ أحدَ مصدرِ إلهامٍ لها، اذ يُرجّح بأنَّ أحد أشهر كتبه ” المثنوي” اعتمدت أسلوب العطار الشعري ذاته2.

الى جانب الرومي، استخدم العديد من المفكرين اللاحقين الكثير من الصور التي ابتكرها العطار في هذه القصيدة وأسلوب التعبير حتى من خارج الإسلام والصوفية. فبهاء الله، مؤسس العقيدة البهائية، كتب عملاً بعنوان “الوديان السبعة” المستوحى بشكل واضح من قصة منطق الطير.

اليوم لا تزال القصيدة تُلهم أعمال ثقافية مختلفة منها  ألبومات موسيقية تحمل اسم روايات ترويها القصيدة، لذا يظل العطار أحد أشهر الأسماء في الصوفية وفي الشعر الفارسي ليومنا هذا.