الصّحيفة الكاملة السجّادية: مخطوطة إيرانية مزوّقة

الصحيفة السجّادية هي مخطوطة مزوّقة تعود لإيران في أواخر القرن السّابع عشر للميلاد ومكتوبة بكلتا اللغتين العربيّة والفارسيّة، نستعرض في هذه المقالة أجملها.

السرلوحة المذهّبة والملوّنة بالأزرق اللازوردي

السرلوحة المذهّبة والملوّنة بالأزرق اللازوردي

تعتبر الصّحيفة السجّادية العمل الأوّل الّذي تناقل المسلمون فيه مجموعة من الأدعية الموثّقة لترديدها. وللصّحيفة السّجاديّة مكانة هامة عند الشّيعة، وتعتبر الكتاب الثالث من حيث الأهميّة الروحانية بعد القرآن الكريم وكتاب “نهج البلاغة” المنسوب لعليّ بن أبي طالب، حتّى أن لها أسماء أخرى مثل: “أخت القرآن” و”إنجيل أهل البيت” وغيرها. في المكتبة الوطنية بعض المخطوطات الجميلة للصحيفة السجّادية، نستعرض في هذه المقالة أجملها، وهي مخطوطة مزوّقة تعود لإيران في أواخر القرن السّابع عشر للميلاد ومكتوبة بكلتا اللغتين العربيّة والفارسيّة.

 

المؤلّف

ولد عليّ بن الحسين الملقّب بزين العابدين في المدينة المنوّرة تقريبًا في العام 658 للميلاد. ترعرع في كنف عمّه وأبيه الحسن والحسين حفيديّ النّبي محمّد المحببان إليه. يُقال إنّ أمّه شهربانة ابنة آخر ملوك فارس الكسرى يزدجرد الثّاث، والّتي أحضرت إلى المدينة جارية إلى أن تزوّج منها الحسين بن عليّ، ولهذا كان من ألقاب زين العابدين أيضًأ “ابن الخيارتين”، أي ابن الأخيار من الناحيتين، أخيار قريش من ناحية العرب وأخيار الفرس من ناحية العجم.

كان زين العابدين صبيًا ضعيفًا حين وقعت حادثة كربلاء الشّهيرة في العام 680 للميلاد. حينها قُتل معظم رجال عائلته إلّا أن عمّته زينب حمته بنفسها، وتوسّلت للقائد الأمويّ عمر بن سعد أن يتركه ليعيش، وبعد سبيه مع النّساء إلى دمشق سُمح له بالعودة إلى المدينة حيث أمضى بقية حياته بالحزن على عائلته وبالتزهّد والعبادة ونقل الحديث، وعرف عنه الورع والانشغال بالصّلاة حتّى لُقّب بالسجّاد أي كثير السّجود، وزين العابدين أي أفضل العابدين.

رَفض زين العابدين الانخراط في أي شكل من أشكال المعارضة السّياسيّة للدولة الأموية، مما أضعف أحقّيته بالإمامة في نظر فئة صغيرة من الشيعة في ذلك الوقت، لا سيّما الفئة التي عُرفت بالـ “توّابين” الّذين ثاروا على الحكم الأموي بهدف الثأر لدم الحسين وإزاحة حكم الأمويين عن الكوفة.

أنجب زين العابدين خمسة عشر طفلًا، وعاش حياة روحانيّة في المدينة المنوّرة ترك خلالها الكثير من القصص التي تدل على الورع والحكمة. أحبّه الناس لجدّه الأكبر النّبي محمّد وأشفقوا عليه لرؤيته مذبحة عائلته، وتعتبر الصّحيفة السّجادّية، وهي مجموعة من الأدعية المنسوبة إليه، عملًا هامًا في العبادات والتّراث الشّيعي، وهي من أهمّ الكتب بعد القرآن ونهج البلاغة.


الصّحيفة الكاملة السّجاديّة

المقصود بالصّحيفة هو الكتاب، وتسمّى السّجاديّة نسبةً لصاحبها السجّاد زين العابدين، أي كتاب السجّاد، أما وصف “الكاملة” فمعناه التّامة والغير ناقصة وهو نوع من أنواع المديح، أي أنّها لا يمكن ان تبلغ من الكمال أكثر مما هي عليه.

تُعتبر الصّحيفة السجّادية نصوص شاعرية وروحانية وآية في التضرّع والتّواضع، وبكلمات ويليام تشيتيك، هي نموذج للرّوحانيّة الإسلاميّة المبكّرة والفريدة، والّتي تتمثّل بسعي المؤمن إلى الكمال من خلال علاقته مع الخالق.

تحتوي الصّحيفة الكاملة السجّادية على أدعية مقسّمة لأبواب، فهناك لكل حالة يمكن أن يعيشها الإنسان دعاء كان السجّاد يتضرّع به، وهي معدّة ومقسّمة لأبواب فيستخدمها القارئ كدليل للدّعاء، فإن كان مريضًا مثلًا، يذهب إلى باب الدّعاء عند المرض ويتلو ما جاء فيه بصوت عالٍ وورع، ومن هنا فإن للصحيفة مكانة قدسيّة في التراث الشيعي، إذ لم تتناقلها الأجيال لكي تعرف كيف كان يدعو السّجاد الله من باب المطالعة والاحتفاظ بالإرث فقط، إنّما استخدمت الصّحيفة للصلوات الشّخصيّة اللحوحة وفي الحياة اليوميّة وفي الأحداث الصّغيرة والكبيرة وعند الفرح وعند الحزن وعند المناجاة وعند الشّكر.

بحسب التّراث الشّيعي، كان زين العابدين يردّد هذه الأدعية وقام بتحفيظها لأولاده من بعده، ثمّ أصبحت معروفة وأخذ أهل الشّيعة يحفظونها ويعلّمونها أولادهم. وبحسب علماء الحديث فإن الصّحيفة متواترة بالفعل، وان نسبتها للإمام الرابع زين العابدين عليّ بن الحسين على الأغلب صحيحة. ولكن مع الوقت تمّ زيادة بعض الإضافات وهناك اختلاف على أصل بعض أجزائها، ولكن هناك اتّفاق عام على أن الجزء الأكبر والمركزي منها يعود لزين العابدين بالفعل.

 

 جلدة مخطوطة الصّحيفة الكاملة
جلدة مخطوطة الصّحيفة الكاملة

ترجمها إلى الفارسيّة محتشم إصفهاني ونسخها عبدالله اليزدي، وأغلب الظّن أنّ الترجمة الفارسيّة كُتبت بخطّ يد محتشم في عام 1100 للهجرة 1688 للميلاد.

تتميّز هذه النّسخة بعدّة أمور، أولًا بجلدة فنيّة وملمّعة بالطّلاء صنعت لتلائم فحوى الصّحيفة ككتاب للدّعاء، مزيّنة بأشكال الزّهور المتداخلة وزواياها مرسومة بالأشكال الهندسيّة الجميلة، وفي مركزها طُبعت العبارة “قال رسول الله صلّى الله عليه وآله الدّعاء سلاح المؤمن وععمود الدّين ونور السموات والارضين”، وفي الجزء العلوي “يا مجيب الدعوات” وفي الأسفل “يا كافي المهمات”.

أمّا الصّفحة الأولى فتترأسها سرلوحة بديعة مذهّبة، ومزيّنة بأشكال الزّهور والنّباتات المتداخلة، وبها يلمع اللون الأزرق الفاخر المستخرج من حجر اللازورد. ويمتدّ رسم النباتات والزهور ليملأ كافة هامش الصفحة الأولى والثّانية. السّرلوحة أو السرلوح هي الزخارف التي تفتتح بها المخطوطات وهي تتشابه في هيكل المبنى. يعتبر عادة ان السّرلوحة مقتصرة على المصاحف إلا انها في الحقيقة منتشرة بكثرة في المخطوطات العثمانيّة والفارسيّة من غير المصاحف، ومخطوطة الصّحيفة الكاملة السّجاديّة التي نعرضها هنا خير مثال على ذلك، فهي ليست مصحف ولكن تمّ تزويقها وتذهيبها بسرلوحة للدلالة على تقديرها.

بعد الصّفحة الثّانية يستقرّ شكل الصّفحات من حيث التّزويق والعناية الخطّية ويبقى كما هو إلى آخرها; خطّ النّاسخ بالحبر الأسود وخطّ المترجم بالحبر الأحمر بين السّطور المرسومة بعناية، والهوامش مذهّبة بلطف ومعزّزة بالحبر الاحمر من الداخل وبالحبر الاسود من الخارج.

التكعيبة أسفل الصفحة اليمنى
التكعيبة أسفل الصفحة اليمنى

 

خارج الهوامش نجد ملاحظات عديدة، غالبًا بخط المترجم، باللغة الفارسية. ونلاحظ أيضًا استخدام أسلوب التكعيبة بترتيب الصّفحات، فتجدون أن الأحرف الّتي تبدأ بها الصّفحة على اليسار تكون مدوّنة أيضًا في أسفل الصّفحة اليمنى، وذلك لضمان عدم اختلاط الصّفحات عند تخييطها وتجليدها.

جدول في آخر المخطوطة عن آل البيت ومعلومات حولهم
جدول في آخر المخطوطة عن آل البيت ومعلومات حولهم

 

في آخر المخطوطة نجد قائمة بأسماء آل البيت وبها تواريخ ولادتهم والمدينة التي ولدوا فيها وتوفوا فيها ومعلومات أخرى حولهم.

تعبّر العناية الجماليّة لهذه المخطوطة على قيمتها التّراثيّة لدى الشّيعة، إذ تبدو لأوّل وهلة وكأنها نسخة من القرآن الكريم. في المكتبة الوطنيّة نماذج إضافيّة من مخطوطات للصحيفة الكاملة، يمكنكم تصفّحها هنا وملاحظة الفروق فيما بينها.

قرآن عربي، هوية فارسية

تكشف مخطوطة من المكتبة الوطنية عن الظهور الأول للفارسية الجديدة على الساحة التاريخية.

بقلم/ راحيل غولدبيرغ

لا توجد معلومات كثيرة حول أحمد حيقاني. ولد في القرن التاسع للميلاد، على ما يبدو في منطقة خراسان شرقيّ أيران، وكان مرجعًا للعديد من المفكّرين في فجر الإسلام. المؤكد هو أنّه كان يتمتع بمعرفة غنية باللغة العربية تمكّنه من تشكيل نصّ بتلك اللغة- وليس أي نصّ، إنّما القرآن الكريم ذاته.

على الرغم من قلة المعلومات بشأنه، يعتبر أحمد حيقاني شخصية مركزية في تاريخ إيران: ويقترن اسمه بالتغيير الجذري الذي طرأ على اللغة الفارسية في العصور الوسطى.

تبدأ قصتنا  بـ مخطوطة للقرآن الكريم  اقتناها هاوي الجمع الشهير أبراهام شالوم يهودا. كانت تلك المخطوطة التي شملت جزءًا من القرآن، سورة النحل ( حتى سورة الكهف (18)، منسوخة على جلد رقيق، مع زخرفة ذهبية اللون تشير إلى بداية الآية، ونقاط تشير إلى علامات تشكيل كل كلمة.  كانت تلك العلامات، بالإضافة إلى الخط العربي المربع، المعروف بـ “الخط الكوفي”، تدلّ على أنّ كتاب القرآن هذا قديم جدًا.

إلى أي فترة يعود؟ في نهاية كتاب القرآن، كُتبت ملاحظة بخط يد شخص قام بتنقيح التشكيل بخطٍ يدل على أنّ كتاب القرآن هذا نُسخ في عام 905. ما يميز هذه الملاحظة، وتُدعى حرد المتن، هو أنّها نصّ فارسي بأحرف عربية. كان ذلك أول ظهور معروف للفارسية الجديدة بخط عربي على الساحة التاريخية.

الصفحة الأولى من جزءٍ من كتاب القرآن وفيه الآية التي تطرقت إلى “رحلة الإسراء والمعراج” للنبي محمد عليه الصلاة والسلام

كُتب في تلك هذه الملاحظة:

این جزء سی پاره جمله درست بکرد بعجم ونقط وتشدید احمد خیقانی نصره الله فی الدین بمنه سنه اثنی وتسعین واثنی مایه

“أحمد حيقاني، حفظه الله في سعة رحمته وفضله، قام بتنقيح هذا الجزء من أصل 30 جزءًا (من القرآن الكريم) بواسطة إضافة شكلات وشدّات، في عام 292 للهجرة (905حسب التقويم الميلادي)”.

صورة لحرد المتن

ما يميّز الفارسية الجديدة هو حفاظها من ناحية على خصائص اللغة الفارسية الـوسطى، اللغة “البهلوية”، التي سبقت الفتوحات الإسلامية، ومن ناحية أخرى تحويل الخط الفارسي القديم لأحرف عربية ودخول مفردات جديدة للغة الفارسية. تشير هذه السيرورة إلى الهوية الفارسية المستقلة، المختلفة عن هوية العرب الذين أتوا إلى إيران في إطار الفتوحات الإسلامية في فجر الإسلام.

عندما تمدّد الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية في القرون الأولى لظهوره، التقى بحضارتين رئيسيتين في العصر القديم: فارس واليونان. كانت الحضارة اليونانية، البيزنطية لاحقًا، سائدة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكانت لغتها اليونانية والديانة السائدة فيها المسيحية. بالمقابل، كانت هناك الحضارة الفارسية السائدة في آسيا الوسطى الناطقة بالفارسية والديانة السائدة فيها الزرادشتية.

وفي حين أنّ اللغة اليونانية، التي كانت سائدة في حوض البحر الأبيض المتوسط، اندثرت تدريجيًا مع ترسيخ جذور الحكم العربي-الإسلامي في هذه المنطقة من العالم، اتخذ سكان الإمبراطورية الفارسية، القابعين تحت حكم عربي-إسلامي، مسارًا آخر. بدلًا من تبنّي العربية كلغة سائدة، قاموا بدمج الخط العربي وطوروا لغة جديدة: الفارسية الجديدة.

لم يكن التغيير فوريًا: بين القرنين السابع والعاشر، اندثرت الفارسية الوسطى وظهرت بشكلها الجديد، الفارسية الجديدة، في القرن العاشر. التغييرات التي طرأت على اللغة: ما أهمِل منها، ما استعير من العربية وما استمر من الفارسية الوسطى، موجودة في مخطوطات بالفارسية اليهودية تعود لتلك الفترة.  الفارسية اليهودية، أي الفارسية الجديدة المكتوبة بأحرف عبرية، مهمّة لتدارس تطور اللغة الفارسية الجديدة، لأنّ بعض النصوص بالفارسية-اليهودية حافظت على خصائص لغوية من الفارسية الوسطى.

مخطوطة لتفسير سفر اللاويين الإصحاح 11 من الجنيزا الأفغانية، مكتوبة بالفارسية اليهودية

الفصل بين الهوية الفارسية والعربية لا يعني رفض الإسلام أو اللغة العربية، باعتبارها لغة مهمة. في العصور الوسطى، اعتاد المفكرون الفُرس السفر للدراسة والتدريس في مراكز المعرفة في بلدان ناطقة بالعربية. اعتادوا أيضًا الكتابة بالعربية عن مواضيع عديدة ومتنوعة، ابتداءً من علوم الشريعة الإسلامية وحتى التاريخ والجغرافيا.

كتاب القرآن الذي عرضناه أمامكم في بداية المقالة هو نموذج للدمج بين الهوية الفارسية وقبول العربية كلغة مهمة. تم نسخ كتاب القرآن بالعربية، لأنّه لغة القرآن الأصلية.  حرد المتن، والذي يعبّر عن شخص ناسخ النص، أحمد حيقاني، يعكس هويته الفارسية.

الهوية الفارسية التي تبلورت إلى جانب العربية، وأحيانًا في ظلّها وحتى خلافًا لها، تعززت وأمست أكثر وضوحًا وحضورًا على مر السنين. ينعكس هذا التميز في العصر الحالي في هوية وطنية ودينية مختلفة عن هوية العالم العربي.

 

نتقدم بجزيل الشكر لد. أوفير حاييم على ترجمة حرد المتن

الطّريقة المولويّة: مبادؤها ومراكزها

بعض مظاهر الطّريقة المولويّة وقصّة الرقصة ومصدرها في التّصوّف الإسلامي. إليكم لمحة صغيرة حول الموضوع.

درويشان من دمشق بداية القرن العشرين، أرشيف بن تسفي.

درويشان من دمشق بداية القرن العشرين، أرشيف بن تسفي.

“إنّ قلبي مثل الفرجار، ساقٌ ثابتة في أرض الشّريعة، وساقٌ تدور على اثنين وسبعين ملّة”

في مقولة جلال الدّين الرّومي هذه تفسير للمبدأ المولويّ الذي ينصّ على التقبّل والتّسامح كقيمة أساس للطّريقة المولويّة. فلكيّ يكون طالب الطّريقة جاهز للترقي في الحبّ الإلهي عليه أن يبدأ بما حوله من ظواهر وموجودات وأحوال، وأن يتقبّلها جميعًا انطلاقًا من دورانه الدّاخلي وهو المركز والرّكينة الأساسيّة لهذا التّقبّل. وهكذا تكون بذرة التّوحيد الحقيقي جاهزة لأن تثمر وتنبت بحسب الرّومي. تنعكس هذه المقولة كذلك في رقصة الدّراويش الشّهيرة والتي يقال أنّ الرومي تعلّمها من شمس الدين التّبريزي، والّتي تمثّل كذلك دوران الأرض حول نفسها وحول الشّمس، وأيضًا طواف المسلمين حول الكعبة. فمن جلال الدّين الرّومي؟ وما رقصة الدّراويش وما الطّريقة المولويّة؟

اقرأ/ي أيضًا: جلال الدّين الرّومي

ولد جلال الدين الرّومي في بلخ (أفغانستان اليوم) عام 1207 ونشأ في مدينة قونية (تركيا اليوم) وأصبح من أشهر شيوخها بعد أن ورث مكانة أبيه كمعلّم وإمام. حدث تحوّل كبير في حياة الرومي بعد لقائه بالمتصوّف شمس الدين التّبريزي الّذي أصبح رفيق روحه وعلّمه الكثير عن التّصوف وعن حالة الحبّ الإلهي. عشق الرومي هذا الطّريق وانغمس فيه، وبعد اختفاء رفيق روحه من حياته دخل في عزلة عن النّاس لمدّة طويلة، وعاد بعدها إلى التّدريس والتّربية والوعظ بإصرار من ابنه وتلاميذه الّذين افتقدوه. لكنّ وعظه هذه المرّة كان قد اختلف تمامًا عمّا ذي قبل.

اقرأ/ي أيضًا: مخطوطات رقمية من تاريخ الصوفية في العالم الإسلامي

في ديوانه “ديوان شمس الدّين التّبريزي” وصف حبّه وفقده العميق لرفيقه شمس الدّين، وأسسّ الرومي في ديوانه الكبير “مثنوي معنوي” رؤية كونيّة، ووضع تجربته الرّوحية في كلمات وأبيات ألهمت متّبعيه وتأسست بها عادات وتقاليد وتراث صوفي حمله من أطلقوا على أنفسهم اسم “المولويين” نسبةً إلى اللقب الذي اكتسبه الرومي “مولانا”، أو كما باتوا يُعرفون في بلاد الشّام “المَلَويين”.

من مخطوطة "مثنوي معنوي"، 1618، مجموعة يهودا، مجموعة المكتبة الوطنيّة.
من مخطوطة “مثنوي معنوي”، 1618، مجموعة يهودا، مجموعة المكتبة الوطنيّة.

 

المولويّة هي طريقة من طُرق الصّوفيّة أسسّها تابعو جلال الدّين الرّومي لاسيّما ابنه سلطان ولد بعد وفاته مباشرة. إذ بادروا دون توصية منه إلى تثبيت بعض الأسس والممارسات لتتناقل عبر الأجيال وتحفظ إرث ما تعلّموه من جلال الدّين الرّومي وأطلقوا على طريقتهم هذه اسم “المولويّة”، أي طريقة مولانا وهو اللّقب الّذي منحوه لمعلّمهم جلال الدّين الرّومي.

تعتمد الطّريقة المولويّة على بعض الشّعائر الرّوحانيّة الّتي يمارسونها بالإضافة إلى شعائر الصّلاة والصّيام الإسلاميّة. من هذه الممارسات الذّكر والإنشاد، والّذي اتّخذ طريقه إلى خارج التّكايا والزّوايا ليصبح تراث فنّي إسلامي غير محصور على المتصوّفة في بلاد الشّام ومصر. بالإضافة إلى الرّقصة الشّهيرة “رقصة الدّوران”، يرتدي الدّراويش في رقصات الذّكر والإنشاد رداء خاصّ يحمل دلالات عديدة، ويشير الى التّواضع في الدّنيا.

من التّفسيرات الّتي أطلقت على طقوس الذّكر ورقصة الدّراويش هي أنّها تحاكي حركة الوجود، دوران الأرض حول نفسها وحول الشّمس، دوران المسلمين حول الكعبة، ودوران كل شيء في الوجود كحركة تلقائيّة محتّمة ترتكز عليها الحياة بأكملها. يرتدي هؤلاء “السكة” أو غطاء الرأس الطويل المصنوع من مادّة خشنة إشارة إلى صعوبة الحياة، بالإضافة إلى الرّداء الأبيض الّذي يرمز للكفن، وعباءة سوداء ترمز للموت والتّزهّد.

درويشان من دمشق بداية القرن العشرين، أرشيف بن تسفي.
درويشان من دمشق بداية القرن العشرين، أرشيف بن تسفي.

تُمارس طقوس الذّكر والرّقص المحدّدة بدقّة في قاعات خاصّة بها في الزّوايا والتّكايا المولوليّة حول العالم، وقد انتشرت الطّريقة بشكلٍ واسع في العهد العثمانيّ. ووصلت إلى بلاد الشّام ومصر والمغرب ومدنها الكبيرة حيث انتشرت التّكايا المولويّة لتعلّم القرآن الكريم وتقيم الذّكر وتمنح حياة التّقشّف لتابعيها ولطالبي الطّريقة، وفي مدينة القدس يوجد المسجد المولوي أو التّكيّة المولويّة دخل أسوار البلدة القديمة. وفي العقود الأخيرة، وجدت الطّريقة سبيلها إلى أوروبا كذلك وشهدت اهتمام غربي ملحوظ بالتّصوف الإسلامي وخاصّة بإرث جلال الدّيني الرّومي الّذي اتّسم بالإنسانيّة والكونيّة.

للمزيد حول الشخصيات الإسلامية في مجموعات المكتبة الوطنية

قصة الذبيح إسماعيل أم إسحق: أين الخلاف؟

عن قصّة إبراهيم الجدليّة في ذبح ابنه واختلافها في نصوص الدّيانات الإبراهيمية والفنّ، للمزيد تصفحوا هذا المقال.

فسيفساء من القرن السّادس في معبد بيت ألفا شمال البلاد، يظهر فيها إسحق مقيّد اليدين وخلفه موقد النّار المشتعل وأمامه إبراهيم يحمل السّكين ومن خلفه الملائكة مع الأضحية. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة.

تقاليد وتفاصيل قصة الذبيح إسماعيل أو إسحق في الديانات الإبراهيمية وأوجه الاختلاف والشبه في التفسيرات والفن، للمزيد في المقال.

تُعتبر قصة تضحية إبراهيم من أهمّ القصص الإبراهيميّة الّتي تثير جدلًا واسعًا حول معنى الإيمان، كما أنّها بنفس الوقت موضع تباين بين الأديان الإبراهيميّة الثّلاثة، والّتي بحسب تقاليد كلّ منها تختلف في تفاصيلها أو في تأويلها. فيبقى مغزاها واحد أو شبيه في اليهوديّة والإسلام: الانصياع لرغبة الإله فيما سمّته اليهوديّة “بالامتحان” وسمّاه الإسلام “بالابتلاء”. أمّا في المسيحيّة، فذهب تأويل معنى القصّة إلى الرّبط بصلب السيد المسيح، واعتبارها عرضًا ممهّدًا لمشهد صلب السيد المسيح وتضحية الرّب. وبرغم احتفاء الأديان بهذه القصّة ودلالاتها الرّوحانيّة المختلفة إلّا أنّها تثير انتقاد من يعتبرونها الأساس النّصصي الأوّل لإسالة الدّماء في سبيل الإيمان. بمناسبة عيد الأضحى الّذي يتمحور مغزاه حول هذه القصّة، دعونا نتعرّف على تفاصيلها وعلى الخلاف حول هويّة الذّبيح بين اليهوديّة والإسلام.


اقرأ
/ي أيضًا: عيد الأضحى: مخطوطات ومقتطفات من تاريخ العيد والحج وسكة الحجاز


بين العهد القديم والجديد والقرآن وآراء المفسّرين

إنّ الشّخصيّة الرئيسيّة في هذه القصّة هي شخصيّة “إبراهيم” الّذي كان قد بدأ مسيرة إيمانه قبل حدوثها بسنوات طوال، إلّا أنّه وبالرّغم من وصوله إلى الحقيقة الّتي كان يبحث عنها وهي الله، يجد أنّه أمام اختبار لإثبات ولائه التّام لهذه الحقيقة والتزامه لها. يحدّث الله إبراهيم، وفقًا للقصّة التّوراتيّة، ويأمره باتّخاذ ابنه الّذي يحبّه إلى الجبل وهناك يؤمر بذبحه، وطوال الرّحلة يحرص إبراهيم على عدم إخبار ابنه بما يجري، حتّى أنّ الولد يسأل أبيه: “أين الخَروف؟” دلالة على عدم معرفته بالأمر الإلهي الّذي يتضمّن ذبحه، إلّا أنّ الإبن في القرآن الكريم شريك في التّضحية منذ اللحظة الأولى، فالنّداء أتى لإبراهيم في المنام، وهو إذ يقول لابنه عن منامه ويسأله عن رأيه، يجيب الولد بالرّضا والموافقة. “فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين”.(الصّافات، 102). أمّا في العهد الجديد، يُضاف أنّ إبراهيم رأى أنّ الله قادر على كلّ شيء، وإنّه قد يحيي ابنه ثانية بعد ذبحه.

من الشّائع أنّ الاختلاف الأساسي بين القصّة اليهوديّة ومثيلتها المسيحيّة وتلك الإسلاميّة هو هويّة الإبن الّذي اختار إبراهيم أن يضحّي به، والّذي بحسب الدّيانات الثّلاثة كان المحببّ إليه، ففي اليهوديّة، يرد اسم إسحق بوضوح في سرد القصّة في الإصحاح الثّاني والعشرين من سفر التّكوين “فقال خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق و اذهب إلى ارض المريا..”. كما يشير إليه العهد الجديد بوضوح في نفس القصّة ويعطيه مكانة عالية عن مكانة إسماعيل عمومًا.  بينما في سورة الصّافات، فيوصف الإبن كالتّالي، دون ذكر اسمه، “فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ” (الصّافات، 101) وتكتمل بقيّة القصّة بالإشارة الى الإبن بضمير الغائب دون ذكر الإسم. ومع ذلك، فقد تطوّر توجّه تأريخيّ في تفسير القرآن يدّعي أنّ الإبن المقصود ذبحه في القصّة هو إسماعيل وليس إسحق.

كان المفسّرون الأوائل، يلجأون إلى المصادر اليهوديّة أو المسيحيّة لاستكمال التفاصيل الّتي لا يأتي القرآن على ذكرها في قصصه، وهي القصص الّتي ترد بغالبها في العهد القديم أيضًا. ولذلك نجد أن الطّبري( ت 923 م) اعتبر في تفسيره ذلك الغلام إسحق، كما ورد بوضوح في التوراة.

أمّا فيما بعد، تشكّلت وجهة نظر أخرى تشير إلى إسماعيل بدلًا عن إسحق. وذلك بالاعتماد على إشارة النّص إليه بالغلام الحليم، والصّبور، وصادق الوعد في مواضعٍ أخرى من القرآن، مثلًا (الأنبياء، 85). بالإضافة إلى ذلك، فإنّ قصّة تبشير إبراهيم بولادة إسماعيل (وهو الإبن الأكبر) سبقت قصّة الأضحية في القرآن، وهاتين القصّتين سبقتا قصّة تبشير إبراهيم بولده إسحق.

تكوّن هذا الادّعاء بقوّة على يد ابن تيميّة(ت 1328 م) وابن كثير (ت 1373 م)، والّذان اعتمدا في رأيهما على بعض الأحاديث، بالإضافة إلى نصوص توراتيّة ومحاججات لغويّة. ومع الوقت أصبح من المسلّم به لدى عموم المسلمين اعتبار قصّة أضحية إبراهيم خاصّة بولده إسماعيل، بالرغم من أنّ المسألة غير محسومة في القرآن، وهناك مؤرّخون مسلمون اعتقدوا أيضًا أنّ الإبن المذكور بالقصّة هو إسحق كما ورد في القصّة التّوراتيّة، ومن هؤلاء المؤرّخ الطّبري( ت 923 م)، والثّعلبي (ت 1035م)، وابن الجوزي(1201 م). بالإضافة إلى العلماء الّذين قاموا بنقل الرّوايتين دون ترجيح إحداهما على الأخرى.

من الخلافات الأخرى في التفسيرات الإسلاميّة حول القصّة هو مكان حدوثها. فيعتبر بعض المفسّرين أنّ مكان حدوثها في مكّة وتحديدًا فوق حجر الكعبة، وبعضٌ آخر يعتبرون مكان حدوثها في القدس وفوق قبّة الصّخرة تحديدًا، وهنا يتمّ ربط القصّة بقصّة الإسراء والمعراج.


الواقعة في الفنّ المسيحي والإسلامي واليهودي

إنّ أحد الاختلافات الهامّة بين القصّتين اليهوديّة والإسلاميّة هو إبلاغ إبراهيم لابنه عمّا يحدث كما ذكرنا سابقًا، والجميل أنّ هذا الاختلاف يظهر كذلك في الأعمال الفنّية الّتي تناولت القصّة في مختلف الثّقافات. ففي الفنّ الأوروبي المسيحي الّذي اعتمد بطبيعة الحال على القصّة التّوراتيّة، نجد أنّ إسحق يبدو مرغمًا، مما يضفي طابع القسوة أكثر على اللّوحات وعلى القصّة، ومن هذه اللّوحات لوحة الفنّان الإيطالي كارافيجيو الشّهيرة. وفيها يبدو إسحق صارخًا وخائفًا بينما يعزم أباه على ذبحه بالسّكين من الخلف، فيأتيه الملاك عن يمينه بهيئة إنسان ليشير إلى حمل يقف خلفه.

 

رسم لأضحية إسحق من مجموعة بيتمونا، يظهر فيها إسحق مقيّدًا ويتطلّع برأسه إلى أبيه الّذي لا يبادله النّظر بل ينظر بتأهب نحو السّماء حيث تظهر شخصيّة سماويّة.
رسم لأضحية إسحق من مجموعة بيتمونا، يظهر فيها إسحق مقيّدًا ويتطلّع برأسه إلى أبيه الّذي لا يبادله النّظر بل ينظر بتأهب نحو السّماء حيث تظهر شخصيّة سماويّة.

 

 

فسيفساء من القرن السّادس في معبد بيت ألفا شمال البلاد، يظهر فيها إسحق مقيّد اليدين وخلفه موقد النّار المشتعل وأمامه إبراهيم يحمل السّكين ومن خلفه الملائكة مع الأضحية. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة.
فسيفساء من القرن السّادس في معبد بيت ألفا شمال البلاد، يظهر فيها إسحق مقيّد اليدين وخلفه موقد النّار المشتعل وأمامه إبراهيم يحمل السّكين ومن خلفه الملائكة مع الأضحية. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة.

 

 

مقطع أيمن لطبق منحوت، يظهر إسحق مقيّد اليدين والقدمين وملقى على صخرة مرتفعة على ظهره، يمسك فيه إبراهيم من شعره ويرفع سكّينه، بينما يظهر في السّماء ملاك على هيئة إنسان ويظهر كبش في أيمن المنحوتة. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة
مقطع أيمن لطبق منحوت، يظهر إسحق مقيّد اليدين والقدمين وملقى على صخرة مرتفعة على ظهره، يمسك فيه إبراهيم من شعره ويرفع سكّينه، بينما يظهر في السّماء ملاك على هيئة إنسان ويظهر كبش في أيمن المنحوتة. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة

 

 

مقطع أيسر للطبق، يظهر إسحق مقيّد اليدين والقدمين وملقى على صخرة مرتفعة على ظهره، يمسك فيه إبراهيم من شعره ويرفع سكّينه، بينما يظهر في السّماء ملاك على هيئة إنسان ويظهر كبش في أيمن المنحوتة. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة
مقطع أيسر للطبق، يظهر إسحق مقيّد اليدين والقدمين وملقى على صخرة مرتفعة على ظهره، يمسك فيه إبراهيم من شعره ويرفع سكّينه، بينما يظهر في السّماء ملاك على هيئة إنسان ويظهر كبش في أيمن المنحوتة. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة

 

 

طبق منحوت من فضّة، يظهر إسماعيل مقيّد بطريقة مختلفة، قدميه ربطت إلى يديه وملقى على ظهره، يهمّ إبراهيم برفع السّكين ويظهر الملاك فوق الشّجرة والكبش على شمال الطّبق. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة.
طبق منحوت من فضّة، يظهر إسماعيل مقيّد بطريقة مختلفة، قدميه ربطت إلى يديه وملقى على ظهره، يهمّ إبراهيم برفع السّكين ويظهر الملاك فوق الشّجرة والكبش على شمال الطّبق. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة.

 

طبق منحوت من فضّة، يظهر إسماعيل مقيّد بطريقة مختلفة، قدميه ربطت إلى يديه وملقى على ظهره، يهمّ إبراهيم برفع السّكين ويظهر الملاك فوق الشّجرة والكبش على شمال الطّبق. مركز الفنّ اليهودي في الجامعة العبريّة.

في الفنّ اليهودي، نجد أن القصّة متمثّلة بالرّسم على جدران بعض الكُنس القديمة، ومنحوتة على أدوات معدنيّة فاخرة، بينما في الفنّ الإسلاميّ، فإنّ تمثيل مشهد الأضحية محصور في المنمنمات، وتختلف المنمنمات عن بعضها البعضـ إلّا أنها جميعها تحتوي على الشّخصيّات الرّئيسيّة: إبراهيم، ابنه، الملاك والكبش، واللحظة التّي يمسك فيها إبراهيم بالسّكين وعلى وشك أن يقوم بتنفيذ المهمّة.

في مخطوطة محفوظة في مكتبة برلين لقصص الأنبياء لابن خزيمة، نرى نموذجًا جيّدًا لاختيارات الفنّ الإسلامي عمومًا في إظهار القصّة. إذ يظهر  في المنمنمة النّبيان إبراهيم وابنه (في هذه الحالة إسماعيل) ورأسيهما محاطان بشعلة من النّار، وهي تقنيّة موازية لهالة النّور في الفنّ المسيحي للتعبير عن قداسة الشّخص. أمّا السّماء، فلونها ذهبيّ إشارة إلى القداسة أو اللحظة الّتي وقعت فيها معجزة، ويظهر الملاك على شكل إنسان مجنّح ويحمل كبشًا لينقذ الموقف.

نرى التأثير الآسيوي في المنمنمة باختيار ملامح آسيويّة للنبيّان وللملاك، كما أنّ الرّسم يُظهر إسماعيل معصوب العينين كما تشير بعض التّفسيرات الإسلاميّة.

إذا أتينا لتلخيص أوجه الشّبه والاختلاف بين نظرات الدّيانات الثّلاثة الّتي تظهر في فنونها أيضًا، اختلف الإسلام مع اليهوديّة والمسيحيّة في تفسيراته حول هويّة الإبن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه لشدة حبه له ليكون علامة على درجة إيمانه. إلّا أنه يتّفق مع اليهوديّة في التّفسير الأوسع لمغزى القصّة، وهو الاختبار أو الابتلاء. أمّا في المسيحيّة، فقد اتّخذت القصّة منحىى مختلفًا من التّفسير، ويرتبط جوهريًا بمسألة التّضحيّة والصّلب.