غريبٌ في الغرب ومستشرقٌ في الشّرق: جولتسهير الّذي لم تتسع له الدنيا

هل كانت "غربيّة" هؤلاء المستشرقين الدّافع الوحيد وراء اهتمامهم بال"شرق"؟ تحمل قصّة إغناس جولتسهير الكثير من الإلهام لمن يسأل هذه الأسئلة.

أدّى صدور كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق” عام 1978 وما تبعه من نقاشاتٍ وتساؤلات، لا سيّما في العالم العربيّ، إلى حصر نظرتنا إلى سِير المستشرقين في كونهم غربيّين لا أكثر. وإنّهم من خلال دراستهم للإسلام أو للبلاد الإسلاميّة مهّدوا إلى الاستعمار أو ساهموا في بناء النّظرة الدّونيّة تجاه العرب والمسلمين بسبب رؤيتهم للعالم ضمن فريقين؛ الشّرق بكل ما تحمله هذه الكلمة من غرابة وأسطرة، والغرب العقلانيّ والتقدّمي إلخ..

وبالرّغم من أنّ ما قدّمه سعيد كان غاية في الأهمّية للكشف عن عدسة متحيّزة لا بدّ وأنها أثّرت في قراءة الغرب للبلاد الإسلاميّة والعربيّة ومن ثمّ معالجتها وتفكيكها لاحقًا، إلّا أنه يمكننا أن نتساءل أيضًا، هل كانت “غربيّة” هؤلاء المستشرقين الدّافع الوحيد وراء اهتمامهم بال”شرق”؟ هل كان سحر الشّرق المزعوم كافيًا لافناء عمرٍ في دراسة الإسلام دينًا وتاريخًا وثقافة؟ كيف يمكننا أن نرى هؤلاء كأشخاص، أي كأفراد حملوا مركّبات عديدة في إنسانيّتهم عدى عن انتمائهم للغرب، وخاضوا بكامل إرادتهم مشوار طويل للانغماس في عالم آخر غير الّذي ولدوا فيه؟

إغناس جولتسهير

تحمل قصّة إغناس جولتسهير الكثير من الإلهام لمن يسأل هذه الأسئلة. وربّما علينا أن نعرف من هو جولتسهير قبل أن نجيب لماذا.

يعتبر الكثيرون المستشرق إغناس جولتسهير، أو إسحق يهودا جولتسهير، أحد مؤسسّي، إن لم يكن المؤسّس الرّئيسيّ، للدّراسات الإسلاميّة في أوروبا. بحث اللّغة العربيّة وآدابها ولغات ساميّة أخرى وجوانب متعدّدة للإسلام، كتفسير القرآن، والحديث والعقيدة، وصولًا إلى اهتمامه بتيّارات حديثة في الفكر الدّيني الإسلامي. تربّع اهتمامه على إسلام العصور الوسطى، إلا أنّ الأثر العلميّ الذّي تركه ما زال يعتبر مادّة مؤسّسة للدّراسات الإسلاميّة كمجال أكاديميّ حديث.

ولد جولتسهير لعائلة يهوديّة عام 1850 في المجر، موطنه الّذي بقي مخلصًا له حتّى توفّي في بودابست عام 1921. ومن المفارقة أن الفترة الّتي عاش فيها جولتسهير تميّزت بصعود اللّاساميّة الأوروبيّة بشكل كبير، ممّا أثر في حياته اليوميّة وفي سعيه الأكاديميّ، فرغم انجازات جولتسهير المبهرة أكاديميّا، إلا أن تعيينه بدرجة أستاذ (بروفسور) بشكل رسميّ، تأخّر كثيرًا. فاخلاصه لمعتقده اليهوديّ ولدين أجداده منعه من اعتناق المسيحيّة واكتساب الامتيازات الممكنة الّتي حُرم منها كيهوديّ يعيش في أوروبا في المنتصف الثّاني من القرن التّاسع عشر.

بدأت مسيرة جولتسهير العلميّة من الاهتمام بالعبريّة واليهوديّة كصبيّ يافع، ولإلمامه الشّديد في الأعمال الكلاسيكيّة والأدبيات اليهوديّة تلقّى فرصة الدّراسة العليا تبعًا للإصلاحات الأكاديميّة الّتي بثّتها الحكومة المجريّة حينها، والّتي احتوت على تطوير الدرّاسات الشرقيّة ومن ضمنها الدّراسات اليهوديّة في المجر.

تطوّرت معارف جولتسهير وتشعّبت، وفي دراساته اللاحقة في جامعات عدّة في برلين ولازبك وليدن، تحوّل اهتمام جولتسهير إلى الإسلام وقام بتوسعة بحثه واهتماماته بشكل ملحوظ، ممّا أعطاه الفرصة لزيارة بلدان عدة في الشّرق الأوسط بدعم من الحكومة المجريّة. فزار سوريا وفلسطين والقاهرة، حيث مكث وتمكّن من تلقي المحاضرات وسماع الخطب في جامع الأزهر، بل وممارسة الحياة الإسلاميّة ومعايشتها عن قرب، وهناك دوّن مذكّرات رحلته الّتي أثرت فيه في مذكّراته الّتي نشرت بعنوان Tagebuch بالألمانيّة، وأبدى في أجزاء منها تقرّبًا من الإسلام ومن الثّقافة الإسلاميّة على نحوٍ مفاجئ.

جولتسهير مع أبنائه في تسعينيّات القرن التّاسع عشر في بودابست، مجموعة أبراهام شفادرون في المكتبة الوطنيّة.
جولتسهير مع أبنائه في تسعينيّات القرن التّاسع عشر في بودابست، مجموعة أبراهام شفادرون في المكتبة الوطنيّة.

 

إلّا أن جولتسهير العالِم من جهة أخرى، لو يتوانى عن إظهار نظرته النّقديّة في دراسة الإسلام، والقصد هنا هو دراسة تاريخ الدّيانة الإسلاميّة بجوانبها المتعدّدة، كإبداء رأيه في أدبيات الحديث أو تأثّر مراحل معيّنة من تطوّر الدّين الإسلاميّ بديانات أخرى أو حضارات أخرى. ولذلك نجد احيانا نقدًا شديدًا لشخص جولتسهير في المصادر العربيّة الّتي ذكرته، كترجمات أعماله أو في مؤلّفات تحت عنوان “الغزو الفكري”. كما نجد من جهة أخرى تقديرًا له ولأبحاثه الأصيلة، وربّما لشغفه تجاه الإسلام. لكنّنا هنا نعود لسؤالنا: ما الّذي دفعه إلى دراسة الإسلام، لا سيّما في ظلّ غربته كيهوديّ عاش في فترة امتازت بكراية اليهود في أوروبا؟

مكتبة جولتسهير وأرشيفه

خلّف جولتسير مكتبة ضخمة من مؤلّفات وأعمال جمعها في مواضيع ولغات شتّى، وكان أبراهام شالوم يهودا، تلميذه وصديق عائلته، من أشرف على انتقال محتويات هذه المكتبة على يد المنظّمة الصّهيونيّة إلى المكتبة الوطنيّة اليهوديّة حينها (المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة اليوم) بعد وفاة جولتسهير وموافقة عائلته. تحتوي المواد الأرشيفيّة الخاصّة بجولتسهير والّتي يتواجد جزء منها في المكتبة الوطنيّة وجزء كبير في مكتبة الأكاديميا المجريّة للعلوم على مراسلات شخصيّة وعلى مذكرّات جولتسهير الخاصّة الّتي بدأ بتدوينها في سنّ الأربعين.

مقالة أ.ش يهودا عن مكتبة جولتسهير في صحيفة Jewish Chronicle في الرّابع عشر من نيسان عام 1924، أرشيف أبراهام شالوم يهودا في المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة.
مقالة أ.ش يهودا عن مكتبة جولتسهير في صحيفة Jewish Chronicle في الرّابع عشر من نيسان عام 1924، أرشيف أبراهام شالوم يهودا في المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة.

ومن خلال هذه المراسلات الشخصيّة والرّسميّة والمدونات اليوميّة، تمكّن المهتمّون بحياته الشّخصيّة من الكشف عن الشخصيّته الحساسة والمفعمة بالإنسانيّة والتّعقيد. قدّم بعضٌ من طلّاب جولتسهير أو أصدقائه وزملائه بالإضافة الى باحثين معاصرين محاولات عديدة لتحليل شخصيّته وحياته، ولمحاولة فهم دوافعه لعيش حياة شاقة، بين البحث في الإسلام من جهة، ونشاطه في خدمة مجتمعه اليهوديّ في المجر من جهة، والتّمييز ضده كأكاديميّ لم ينل ما يستحقّه من تقديرٍ كافٍ لفترة طويلة من حياته.

مؤتمر في ذكرى مرور مائة عام على رحيل جولتسهير وفيه محاضرات عديدة عن أعماله وعن حياته

فبالرغم من تلقّي جولتسهير لعروض مغرية لشغل مناصب أكاديميّة رفيعة في بلدان أخرى ، ومنها في جامعة القاهرة بدعوة من الأمير فؤاد (الملك فؤاد لاحقًا) وتلقّي رواتب أفضل في جامعة كامبريدج على سبيل المثال، فقد رفض مغادرة المجر، وآثر أن يبقى بجوار عائلته ومجتمعه رغم الظروف الصّعبة، كما إنّه لم ينتسب إلى الحركة الصّهيونيّة الّتي عايش ازدهارها واعتبر المجر موطنه.

فجولتسهير الإنسان لم يكن أوروبيًا عاديًا، بل كان من هؤلاء الّذين شعروا بالغربة في أوروبا في ذلك الوقت، الغربة لا بمعنى عدم الانتماء، بل هو عكس ما تظهره مسيرة جولتسهير واختياراته المهنيّة والشخصيّة إذ لم يبد أي تردد في رفض كل عروض خروجه من المجر، بل الغربة بمعنى الاغتراب  اليوميّ، والقلق والأرق الّذي عاشه الإنسان اليهوديّ المضطهد في بيئة أقصته ولم يتمكّن من التمّاهي معها. وهو ما يظهر في مراسلاته مع أصدقائه المقرّبين.

ربّما كان الإسلام وخوض غمار التّعرف عليه كثقافة مغايرة عن تلك الّتي يعايشها في مكانه وزمانه ملاذًا له؟ ربما أراد التّعرف على الحضارة التي عرفها جولتسهير الصّبي من كتابات موسى بن ميمون وغيره؟ ربّما مكنته خلفيّته الثّرية في التّراث اليهوديّ من رؤية الإسلام بعيون أكثر تفهمًا من غيره، فكانت حياته العلميّة منفذًا للانسان الّذي يعيش في أزمة ما بين تعلقه بانتمائه التراثي والديني من جهة وموطنه من جهة أخرى ؟ هل عاش جولتسهير “خارج المكان” هو الآخر كما وصف ادوارد سعيد تجربته في سيرته الذّاتية؟ لا ندري، لكن ليس ببعيد أن تتشابه التجارب الانسانيّة إلى هذا الحد، وإن بدت متضادة من بعيد.

رسالة جولتسهير إلى أ.ش يهودا عام 1904 تعليقًا على مسودّة تلقّاها منه، يعبّر بختامها عن امتعاضه في تلك الفترة وشعوره بالكآبة. أرشيف أبراهام شالوم يهودا في المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة.
رسالة جولتسهير إلى أ.ش يهودا عام 1904 تعليقًا على مسودّة تلقّاها منه، يعبّر بختامها عن امتعاضه في تلك الفترة وشعوره بالكآبة. أرشيف أبراهام شالوم يهودا في المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة. `

 

المصادر والمراجع:

1. Ignaz Goldziher and his Oriental diary: a translation and psychological portrait / Raphael Patai.

2. Ignac Goldziher: His life and scholarship as reflected in his works and correspondence / Robert Simon

3. يوميات ايجناس جولدتسهير: ترجمة محمد عوني وعبد الحميد مرزوق

 

لكي تثمر وتكون شجرة إلهيّة – عن تعاليم بهاء الله

"لكي تثمر وتكون شجرة إلهيّة؛" عن تعاليم بهاء الله والديانة البهائية ومؤسسها بهاء الله وسيرته في مدينة عكا.

قبة عباس

واجه المطاردة والاضطهاد لأكثر من أربعين عامًا، اتّهم بالكفر والكذب وسُجن ونُفي أكثر من مرّة، راسل ملوك ورؤساء دول العالم ليطالبهم بالاتّحاد والعمل من أجل السّلام ووحدة البشر، وعند وفاته دُفن في حدائق بديعة أخّاذة، ما زالت مزارًا لمئات الآلاف من حول العالم. فمن يكون بهاء الله مؤسّس الدّيانة البهائيّة؟

لعلّ أفضل ما يعرّف عن بهاء الله وعن ما آمن به ودعا إليه هو كلامه حين رحّب بالمستشرق إدوارد غرانفيل براون الّذي زاره في “قصر البهجة”، منفاه الأخير في مدينة عكّا في سبعينيّات أو ثمانينيّات القرن التّاسع عشر .

يقول براون أنه كان مأخوذًا ببريق عينيه النّافذتين وبجلال هيئته، أخذه الذّهول مع أنه لم يجهل من هو ذاهب للقائه. فإذا بصوت هادئ جليل يأمره بالجلوس ويقول:

“حمدًا لله على سلامتك. جئت لترى مسجونًا ومنفيًا..نحن لا نريد إلّا إصلاح العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك، يعتبروننا مثيرين للفتنة والعصيان ومستحقّين للحبس والنّفي.

فأيّ ضرر في أن يتّحد العالم على دين واحد وأن يكون الجميع إخوانًا؟ وأن تستحكم روابط المحبّة والاتّحاد بين بني البشر، وأن تزول الاختلافات الدّينيّة وتُمحى الاختلافات العرقيّة؟ وأنّه لا بدّ من حصول هذا كلّه. فستنقضي هذه الحروب المدمّرة والمشاحنات العقيمة. وسيأتي الصّلح الأعظم”.

في ذلك الوقت، كان بهاء الله الفارسيّ الأصل يسكن في “قصر البهجة” القريب من مدينة عكّا، والّذي اشتراه له ولده “عبّاس أفندي” من التّاجر العكّي المسيحيّ عودة خمّار بعد أن سمحت الدّولة العثمانيّة لبهاء الله بقضاء المدّة المتبقيّة من سنوات سجنه في بيتٍ مقفل خارج سجن عكّا.

قصر البهجة في ضواحي عكّا عام 1953، أرشيف يتسحاك بن تسفي
قصر البهجة في ضواحي عكّا عام 1953، أرشيف يتسحاك بن تسفي

لم يكن بهاء الله مواطنًا عثمانيًا من الأساس، إلا أن السّلطات الإيرانيّة استمرّت بالضّغط على الدّولة العثمانيّة لعقود متواصلة لإبقائه في السّجون أو لنفيه من مدينة إلى أخرى باستمرار خشية من انتشار دعوته الّتي اعتبرها الإيرانيّون فتنة يجب قتلها في مهدها. ورغم نجاحها باغتيال صاحب هذه الدّعوة الأول والّذي يدعى بالـ “باب” استمرّت الدولة الإيرانية بملاحقة أتباعه وناشري دعوته وكان “بهاء الله” من أبرزهم وأكثرهم شهرة ومحبّة. ولقد تمكّن هؤلاء من إنشاء طائفة كاملة ومستقلّة عن الإسلام، لها كتبها وتعاليمها وأتباعها المتّحدين حول العالم.

 

 صورة لبهاء الله من عام 1868، صفحة ويكيبيديا عن بهاء الله بالإنجليزيّة.
صورة لبهاء الله من عام 1868، صفحة ويكيبيديا عن بهاء الله بالإنجليزيّة.

 

تعاليم بهاء الله

اشتهرت الدّيانة البهائيّة بكونها ديانة جميع الدّيانات، أي أن أتباع هذه الدّيانة يرون بأن جميع الأديان الموجودة على الأرض منبثقة من الحقيقة الواحدة أي من الإله الواحد، لكنّ هذا لا يعني أنها لا تملك عقيدة وتعاليم خاصّة بها.

مخطوطة من كتابات بهاء الله عام 1873، مجموعة المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة.
من مخطوطة الدلائل السّبعة تأليف مؤسّس الدعوة البابيّة الشّيرازي الملقّب بالـ “باب”. عام 1911 من مجموعة المكتبة الوطنيّة.

 

تستقي الدّيانة البهائيّة تعاليمها ونهجها من كتابات بهاء الله والباب وغيرهم من أئمّة أو قادة الدّين البهائيّ، وتوصف كتابات بهاء الله على أنّها أُنزلت أو أُوحيت إليه في قصر البهجة وفي أماكن أخرى. وكشخصٍ عانى الظّلم والأذى والعداوة من معارضي دعوته ومن بعض أتباعها، ومن ضمنهم أخيه غير الشّقيق الّذي أراد منافسته على رئاستها، إلا أنّ تعاليمه اتّسمت بالتّسامح والتّواضع والكونيّة والرّوحانيّة، ولم يدعُ قطّ للعداوة أو الانتقام لما حلّ به. وقد قام بهاء اللّه بإرسال دعوته للوحدة والسّلام لكثير من الملوك والرؤساء في وقته، ومنهم السّلطان العثمانيّ، وملك إيران ناصر الدّين شاه، وقيصر روسيا وملك النّمسا والملكة فيكتوريا وغيرهم. وما زال أتباع الدّيانة البهائيّة يرون أن السّعي لتحقيق السّلام العالميّ غاية دينيّة أساسيّة في إيمانهم.

إلّا أن هذا البُعد الكونيّ الّذي يميّز الدّيانة البهائية على غيرها من الأديان ليس العنصر الوحيد بها، فللديانة البهائيّة عدّة كتب مقدّسة، أكثرها قداسة “الكتاب الأقدس” ومن ثمّ يليه “كتاب الإيقان” و”الوديان الأربعة” و”كلمات مكنونة” و”جواهر الأسرار” و”الوديان السّبعة” أو “الدّلائل السّبعة”.

مخطوطة من كتابات بهاء الله عام 1873، مجموعة المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة.
مخطوطة من كتابات بهاء الله عام 1873، مجموعة المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة.

 

وعند الاطّلاع على بعض نصوص بهاء الله نجد تأثرًا بالعقيدة الشّيعيّة الّتي انشقت عنها الدّعوة البابيّة منذ بدايتها، وكذلك تأثرًا بالتّصوف الإسلاميّ. فإلى جانب الإيمان بكونيّة الأديان ووحدتها يذكّر بهاء الدّين مرة تلو الأخرى بأهمّية رعاية “حياة القلب” و”حياة الرّوح”.

فالجسد عند البهائيّين ليس إلا بيتًا مؤقتًا للرّوح الخالدة، توضع فيه في هذه الحياة لكي تقدّم الخير وترعى إخوانها من بني البشر فتكتسب الصّفات الملكوتيّة الّتي تبدأ بها رحلتها إلى الكمال بعد موت الجسد، وهذه الرّحلة أبديّة لا تنتهي. وعن هذا قال بهاء الله: “لو رُزقتَ قليلًا من زلال المعرفة الإلهيّة لعرفت بأن الحياة الحقيقيّة هي حياة القلب لا حياة الجسد”. وفي موضعٍ آخر: “عندما تكون النّفس لحياة الرّوح، عندها تثمر ثمارًا جيّدة، وتصبح شجرة إلهيّة”.

 

قدري طوقان: رائد من روّاد النهضة العربية

لم يكد قدري طوقان يبلغ العشرين من عمره، حتى أضحى عنواناً يقصده محررو الصحف والمجلات وأصحاب المطابع؛ إذ اعتبر من رواد النهضة العربية والفلسطينية.

 

 

استطاع طوقان والمولود عام 1910 وفي جيل صغير لفت أنظار العلماء العرب، ففي عام 1935 وقبل أن يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، نشر مقالاً في جريدة الجهاد المصرية تحت “عنوان بعث الثقافة العربية” المقال أثار اهتمام الأوساط العلمية العربية مما حدا بالعالم المصري الكبير علي مصطفى مشرفة (الملقب بأينشتاين العرب) إلى الرد على المقال، فبعد أن أثنى عليه واشاد بمضمونه كتب: “وليس بغريب أن تتوافق خواطرنا إذ تجمعنا صلة قوية هي صلة الثقافة العربية التي يجري دمها في عروق المصري والشامي والعراقي والمراكشي على السواء”، وهو ما أوردته جريدة فلسطين في مقال ملفت في 7 تموز 1935.

 جريدة فلسطين، 25 حزيران 1933 جريدة فلسطين، 25 حزيران 1933
جريدة فلسطين، 25 حزيران 1933

على مشارف سنة 1929، أنهى طوقان دراستة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان اسمه يتردد على كل الألسنة، وحين عاد إلى فلسطين تقلد مباشرة منصب مدير كلية النجاح الوطنية في مدينة نابلس.

 

 نابلس، مسقط رأس قدري طوقان، 1890-1910
نابلس، مسقط رأس قدري طوقان، 1890-1910

للمزيد من المواد الرقمية وصور مدينة نابلس في المكتبة الوطنية.

 

حاول طوقان من خلال عمله إحياء النهضة، ولكنه كان مقتنعاً أن المشكلة تكمن في واقع فلسطين ففي نظر طوقان من الصعب جداً أن تبني مشروعاً نهضوياً في بلد يخضع للاستعمار وهو ما كان قد ذكره في مقالة سابقة نشرها في جريدة الدفاع في 27 تشرين الثاني 1935 قال فيها: “إن هذه الحكومات تسير على برنامج استعماري خاص من شأنه أن يقضي على كل ما من شأنه رفع مستوى الأمة ورقيها، لهذا وجب على العلماء العرب في هذه البلاد والشباب المثقف العامل أن يلتفتوا إلى هذه الناحية ويعيروها بعض اهتمامهم وأن يعتمدوا على أنفسهم قبل كل شيء…”

مع تغير المراحل والحقب، تبدلت السلطات أيضاً وبات طوقان يعيش في كنف الحكم الأردني بدلاً من الحكم الانجليزي، ومن خلال المؤسسات الأردنية سينشط طوقان مجدداً ولكن في اتجاه آخر ليس في العلوم هذه المرة وإنما في السياسية حيث سيصير عضواً في مجلس النواب الأردني وستتوج مسيرته السياسية بتقلده منصب وزير خارجية الأردن عام 1964.

خلال مسيرته، نشر طوقان العديد من المؤلفات مثل “تراث العرب العلمي” و “نواح مجيدة في الثقافة الإسلامية”  و “الأسلوب العلمي عند العرب” وغيرهم. ربما لم يشهد طوقان تحقق النهضة العربية التي أراد، ولكنه يظل بلا شك رائداً نهضوياً ساهم في إحياء وحفظ جانب مهم من تراث العرب العلمي، وكانت وفاته في آذار من عام 1971 فاجعة أحزنت المحافل العلمية والثقافية ورثاه العلماء والمفكرون ونشرت أخبار وفاته على الصفحات الأولى للمجلات والصحف العربية، ليظل اسمه عنواناً للنهضة العربية.

 

جريدة الاتحاد، 2 آذار 1971
جريدة الاتحاد، 2 آذار 1971

 

 

 

 

 

قصة مجموعة التمائم الغامضة التي أتت من موسكو إلى المكتبة الوطنية

وصلت إلينا عشرات التمائم التي كتبت بهدف حماية أصحابها من المخاطر الطبيعية والخارقة للطبيعة. تتبعوا تفاصيل الحكاية في المقال.

لدينا معلومات قليلة جدًا عن زيارة د. ماكس ليوبولد برودني إلى الاتحاد السوفيتي في عام 1959، زيارة عاد منها إلى مدينة شيكاغو، حيث يسكن، حاملًا حقيبة إضافية، غير تلك التي حملها إلى موسكو. كانت حقيبة سوداء، صغيرة وبالية. فهم د. برودني، وهو جرّاح يهودي شهير متخصص في طب المسالك البولية، أنّه تلقى شيئًا مهمًا، واحتفظ بالحقيبة في إحدى خزائن منزله، حيث بقيت حتى وفاته في عام 1979. عند تقسيم الميراث، انتقلت الحقيبة إلى ابنته إلينور، التي حرصت، مثل أبيها، على الاحتفاظ بها في منزلها.

د. ماكس ليوبولد برودني. الصورة مقدمة بلطف من العائلة
د. ماكس ليوبولد برودني. الصورة مقدمة بلطف من العائلة

 

توجّهت إلينور مرتين إلى باحثين في اليودايكا في شيكاغو، ولكنهم لم يبدوا اهتمامًا شديدًا بمحتوى الحقيبة. وفقط عندما توجّهت إلى ستيسي ديربي، باحثة في مجال السير الذاتية وأديبة تساعد العائلات على تدوين سيرهن الذاتية، اكتسبت الحقيبة اهتمامًا. أرت إلينور الحقيبة لستيسي، وأخبرتها بالظروف التي أوصلت الحقيبة إليها.

صورة لابنة د. برودني، إلينور. الصورة مقدّمة بلطف من العائلة
صورة لابنة د. برودني، إلينور. الصورة مقدّمة بلطف من العائلة

 

قصة الحقيبة

لنعود الآن إلى رحلة د. ماكس إلى الاتحاد السوفيتي في عام 1959.

في تلك الرحلة، زار ماركس كنيسًا في موسكو. قاده الحاخام المسؤول عن إدارة الكنيس إلى غرفة جانبية، ووضع بين يديه حقيبة جلدية سوداء. “لا يوجد لها أي مستقبل، خذها من هنا، واحتفظ بها”، توسّل الحاخام من موسكو إلى الطبيب اليهودي من شيكاغو. “ولكن احذر، فهناك من يتعقبنا”.

استجاب ماكس لطلب الحاخام، وأخرج الحقيبة من الاتحاد السوفيتي. أثار محتوى الحقيبة وقصّتها اهتمام ستيسي. توجّهت إلى أستاذة سابقة، بروفسور راحيل إليؤور من الجامعة العبرية في القدس، التي وجّهتها بدورها إلى جهات مختصة في المكتبة الوطنية في إسرائيل، على أمل استكشاف محتوى الحقيبة.

الحقيبة التي قدّمتها إلينور للمكتبة الوطنية
الحقيبة التي قدّمتها إلينور للمكتبة الوطنية

 

أثار محتوى الحقيبة وقصتها اهتمام د. تسفي لشيم، مدير مجموعة غرشوم شوليم المتخصص في الكابالا والحسيدية اليهودية، الذي تلقى التوجّه، وقام بدوره بإخبار د. يوئيل فينكلمان، أمين مجموعة اليهودية في المكتبة الوطنية، بذلك.

وجد طاقم المكتبة 85 قطعة مختلفة في الحقيبة، معظمها تمائم صغيرة وبسيطة (وعددها 76)  كتبت بخط يد. كتبت معظم التمائم في شمال أفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر أو في مطلع القرن العشرين، بينما كتبت البقية في البلاد، وكُتب عدد قليل في أماكن أخرى. تحدد ذلك بناءً على نمط الكتابة، الأسماء الظاهرة في التمائم، مثل سلام ابن جدال أو سلطانة بنت أيستريليا ، وفي حالة واحدة أو اثنتين، أشير بوضوح إلى مكان الكتابة (“هنا، في إسرائيل”).

كتبت جميع التمائم لاستجداء الملائكة والقوى السماوية لحماية أصحابها من المخاطر الطبيعية والخارقة للطبيعة. كتبت بعض التمائم للحفاظ على الصحة، كتبت أخرى لحماية المنجبة والمولود، وكتب جزءٌ آخر لحماية المنزل.

كتبت التمائم الـ 76 الصغيرة على بطاقة أو ورقة على شكل لفيفة، وبأحجام مختلفة- يبلغ حجم أطولها قرابة المتر، وقد وضعت داخل أسطوانة (أو تم طيها) لتمكين أصحابها من حملها بسهولة في الجيب أو في الحقيبة. صبغت 11 تميمة باللون الوردي، بينما صبغت تمائم أخرى بألوان أغمق.

كتبت سبع تمائم أخرى بشكل مفصل وبارع، خاصة تلك التي تصف خرائط هيئة الألوهية قبل الكابالا .

قطعة فريدة أخرى تعود إلى القرن التاسع عشر، وقد نسبت إلى شمال أفريقيا، هي ورقة مكتوبة بخط يد وتحتوي على وصفات سحرية وإرشادات لكتابة التمائم. إنّها أكثر القطع تلفًا، يبدو بسبب الاستخدام المتكرر. سنوافيكم بمزيد من التفاصيل في مقالة مستقبلية.

 

بضع صفحات من دفتر التمائم، وسنكتب عنه لاحقًا بإسهاب

 

 

بضع صفحات من دفتر التمائم، وسنكتب عنه لاحقًا بإسهاب
بضع صفحات من دفتر التمائم، وسنكتب عنه لاحقًا بإسهاب

إن لم تظهر معلومات جديدة حول هذه القضية الغامضة، وهذا وارد، لا يمكننا أن نعرف كيف وصلت هذه المجموعة القيّمة ليد الحاخام في موسكو. بسبب قلة التمائم الآتية من أوروبا، يُرجّح أنّ المجموعة غير تابعة لمتصوف روسي/أوروبي شرقي كان ناشطًا في تلك الفترة. ربما كانت هذه المجموعة تابعة لباحث أو هاوٍ جمع في موسكو، وعند وفاته، ورث الكنيس في موسكو مجموعة التمائم هذه، ولكن العِلم عند الله.

حتى إن لم تُكتشف هوية الشخص الذي جمع هذه التمائم، فإنّ المسافات التي قطعتها التمائم (من أفريقيا والبلاد، مرورًا بروسيا والولايات المتحدة إلى أن وصلت أخيرًا إلى القدس) تثبت ما يعرفه باحثون عديدون اليوم- السحر اليهودي ليس أمرًا هامشيًا وخفيًّا. مع أنّ القصة التي عرضناها أمامكم مليئة بالثغرات المعلوماتية، إلّا أنّ اهتمام اليهود بالسحر هو اهتمام يومي، تاريخي بل ومعاصر أيضًا. “على مر التاريخ، تعاطت الجاليات اليهودية السحر والجِن”، يقول فينكلمان.

بعد تخبّط، وبالتشاور مع باحث اليهودية النادرة دافيد فوختل من نيويورك، قررت إلينور التبرع بالمجموعة للمكتبة الوطنية في القدس، بما في ذلك الحقيبة الصغيرة التي حُفظت داخلها التمائم. بعد أسبوعين على إرسال الحقيبة إلى البلاد، انفجر في منزل إلينور أنبوب التدفئة في مكان كان سيُتلف حقيبة التمائم. يقول د. فينكلمان مازحًا ربما حدث ذلك صدفة، و”ربما لا”.

لا نحظى كل يوم بمجموعة قيّمة كهذه تثري مجموعة التمائم والمخطوطات في المكتبة الوطنية. في الوقت الحاضر، تمر المجموعة، التي تم التبرع بها لذكرى د. ماكس ليوبولد برودني، بسيرورة تصنيف وفهرسة، من ثم سيتم مسحها ضوئيًا ورفعها على شبكة الإنترنت لإتاحة هذه المجموعة القيّمة لجمهور الباحثات والباحثين في السحر اليهودي- وهو مجال بحثي يكتسب زخمًا متزايدًا منذ أكثر من عقد من الزمن.

“بفضل التبرع بالمجموعة للمكتبة الوطنية في إسرائيل”، تقول إلينور، “حققنا أمنية الحاخام من موسكو”.