قدري طوقان: رائد من روّاد النهضة العربية

لم يكد قدري طوقان يبلغ العشرين من عمره، حتى أضحى عنواناً يقصده محررو الصحف والمجلات وأصحاب المطابع؛ إذ اعتبر من رواد النهضة العربية والفلسطينية.

 

 

استطاع طوقان والمولود عام 1910 وفي جيل صغير لفت أنظار العلماء العرب، ففي عام 1935 وقبل أن يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، نشر مقالاً في جريدة الجهاد المصرية تحت “عنوان بعث الثقافة العربية” المقال أثار اهتمام الأوساط العلمية العربية مما حدا بالعالم المصري الكبير علي مصطفى مشرفة (الملقب بأينشتاين العرب) إلى الرد على المقال، فبعد أن أثنى عليه واشاد بمضمونه كتب: “وليس بغريب أن تتوافق خواطرنا إذ تجمعنا صلة قوية هي صلة الثقافة العربية التي يجري دمها في عروق المصري والشامي والعراقي والمراكشي على السواء”، وهو ما أوردته جريدة فلسطين في مقال ملفت في 7 تموز 1935.

 جريدة فلسطين، 25 حزيران 1933 جريدة فلسطين، 25 حزيران 1933
جريدة فلسطين، 25 حزيران 1933

على مشارف سنة 1929، أنهى طوقان دراستة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان اسمه يتردد على كل الألسنة، وحين عاد إلى فلسطين تقلد مباشرة منصب مدير كلية النجاح الوطنية في مدينة نابلس.

 

 نابلس، مسقط رأس قدري طوقان، 1890-1910
نابلس، مسقط رأس قدري طوقان، 1890-1910

للمزيد من المواد الرقمية وصور مدينة نابلس في المكتبة الوطنية.

 

حاول طوقان من خلال عمله إحياء النهضة، ولكنه كان مقتنعاً أن المشكلة تكمن في واقع فلسطين ففي نظر طوقان من الصعب جداً أن تبني مشروعاً نهضوياً في بلد يخضع للاستعمار وهو ما كان قد ذكره في مقالة سابقة نشرها في جريدة الدفاع في 27 تشرين الثاني 1935 قال فيها: “إن هذه الحكومات تسير على برنامج استعماري خاص من شأنه أن يقضي على كل ما من شأنه رفع مستوى الأمة ورقيها، لهذا وجب على العلماء العرب في هذه البلاد والشباب المثقف العامل أن يلتفتوا إلى هذه الناحية ويعيروها بعض اهتمامهم وأن يعتمدوا على أنفسهم قبل كل شيء…”

مع تغير المراحل والحقب، تبدلت السلطات أيضاً وبات طوقان يعيش في كنف الحكم الأردني بدلاً من الحكم الانجليزي، ومن خلال المؤسسات الأردنية سينشط طوقان مجدداً ولكن في اتجاه آخر ليس في العلوم هذه المرة وإنما في السياسية حيث سيصير عضواً في مجلس النواب الأردني وستتوج مسيرته السياسية بتقلده منصب وزير خارجية الأردن عام 1964.

خلال مسيرته، نشر طوقان العديد من المؤلفات مثل “تراث العرب العلمي” و “نواح مجيدة في الثقافة الإسلامية”  و “الأسلوب العلمي عند العرب” وغيرهم. ربما لم يشهد طوقان تحقق النهضة العربية التي أراد، ولكنه يظل بلا شك رائداً نهضوياً ساهم في إحياء وحفظ جانب مهم من تراث العرب العلمي، وكانت وفاته في آذار من عام 1971 فاجعة أحزنت المحافل العلمية والثقافية ورثاه العلماء والمفكرون ونشرت أخبار وفاته على الصفحات الأولى للمجلات والصحف العربية، ليظل اسمه عنواناً للنهضة العربية.

 

جريدة الاتحاد، 2 آذار 1971
جريدة الاتحاد، 2 آذار 1971

 

 

 

 

 

“إذا أتى أباك من مصر أو العراق أو سوريا، فستسكن الفقر لا إسرائيل”: عن حركة الفهود السّود

في العام 1971، تأسست حركة "الفهود السّود" لمناهضة اضطّهاد اليهود الشّرقيين في إسرائيل والتي أصبحت ضمن حلقات ماضي التمرّد لليهود الشّرقيين في إسرائيل

من مظاهرة للفهود السّود عام 1974، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنيّة.

في العام 1971 اجتمع شباب من اليهود الشّرقيين في جادة “مصرارة” في القدس من أجل تأسيس حركة “الفهود السّود” لمناهضة اضطّهاد اليهود الشّرقيين في إسرائيل. وقد اختاروا هذا الاسم تيمّنًا بالحراك السّياسيّ للأفارقة الأمريكيّين تحت ذات المسمّى في الولايات المتّحدة الأمريكيّة سنوات السّتينيّات. “الفهود السّود”. اسمٌ يدلّ على البشرة الغامقة، والقوّة والعنفوان.

من مظاهرة للفهود السّود عام 1973، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنيّة.
من مظاهرة للفهود السّود عام 1973، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنيّة.

في أيار من ذات العام، أي قبل أربعين سنة من اليوم، خرج الفهود السّود في مظاهرة اندلعت عنها اشتباكات عنيفة مع الشّرطة الإسرائيليّة في شوارع القدس. ونُعتوا بالمخرّبين والمتطرّفين، كما لوحق وتمّ  اعتقال الكثير منهم. فما الّذي حدث في ذلك الوقت؟ وأين ذهبت “جهود الفهود السّود” اليوم؟

ماضي لتمرّد اليهود الشّرقيين

لم تكن حركة الفهود السّود الشّرارة الأولى التي تنبعث عن المجتمعات اليهوديّة الشّرقية الوافدة إلى البلاد، فالأدبيات الخاصّة بتلك الحراكات تفيض بإشارات تعود لسنوات قدومهم الأولى، إذ منذ البداية شعر اليهود القادمون من بلدان عربيّة أنهم مضطّهدون “عرقيّا”. كما تشير إحدى منشورات الفهود السّود عام  1977 “إن وصلت أنت أو والدك من شمال إفريقيا أو سوريا أو مصر أو اليمن أو العراق إلى إسرائيل، فاحتمال وصولك إلى شيء ما في هذا البلد يقترب إلى المستحيل، وإن هاجرتم إلى هنا بعد عام 1951، فاحتمال هلاككم كبير جدًا”.

من تلك الإشارات والحراكات السّابقة  “صغار الشّرق” في تل أبيب عام 1913، الّتي ضمّت يهود يمنيين وهدفت للاعتناء بحالتهم الماديّة والرّوحيّة وتعزيز مكانتهم الإجتماعيّة، بالإضافة إلى “علم صهيون”، “إسرائيل الفتاة” و”الحزب السفارادي الوطني” وغيرها من الجهات الّتي نادت بالمساواة. ولعلّ الحدث الأبرز في تلك الذّاكرة “احداث وادي صليب” في حيفا عام 1951 حين اندلعت اشتباكات عنيفة بين يهود شرقيين وعناصر للشرطة على أثر إطلاقها النار على رجلٍ مغربيّ. أدّت هذه الاشتباكات لجرح واعتقال العشرات من اليهود الشرقيين وإصابة بعض عناصر الشّرطة.

ولذلك لم تكن نشأة حركة الفهود السّود أمر مفاجئ للمجتمع الإسرائيليّ، إلّا أن تنظّمهم وسعيهم عبر التّظاهر والحشد الجماهيري إلى المطالبة اللحوحة بحقوقهم بدت كتحذير من صعود قوّة يهوديّة شرقيّة ذات شعبيّة كبيرة، وأظهرت بوادر للعمل الجماهيري السياسي المختلف لتلك الأوساط الّتي عانت من الفقر والإهمال في كلّ من مجالات التنمية والتعليم وتمكّنت من جهة أخرى من خلق حركة احتجاجيّة ذات شعبيّة واسعة.

من مظاهرة للفهود السّود عام 1971، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنيّة.
من مظاهرة للفهود السّود عام 1971، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنيّة.

كان جميع مؤسسّي الحركة الأوائل من أبناء المغاربة، وتتراوح أعمارهم بين الثّامنة عشر والعشرين، حتّى أن لبعضهم كانت ملفّات جنائيّة لدى الشّرطة، وقد مُنعت مظاهراتهم الأولى من ترخيص السّلطات وأحيانًا تمّ اعتقالهم قبل بدايتها.

تشير بعض المصادر إلى أن بعض عناصر الفهود السّود أعلنوا إضرابهم عن الطّعام إلى أن وافقت رئيسة الوزراء آنذاك جولدا مئير على لقاء بعض قاداتهم في الثّالث عشر من نيسان من ذات العام بهدف الاستماع إلى مطالبهم. إلا أن اللقاء لم يسر على ما يرام، كما يصف أحد أعضاء الحركة آنذاك: استخفّت السيّدة بهم، ووصفتهم بمرتكبي الجرائم والمعربدين ولم تعترف بهم كحركة حقوقيّة.

المواجهات والجدل الجماهيريّ

فيما بعد بدأ الفهود السّود بتنظيم مظاهرات كبيرة بدون طلب ترخيص من الشّرطة. كانت أكبرها في الثّامن عشر من أيار وهي اللّيلة الّتي سمّيت لاحقًا ب”ليلة الفهود السّود” بسبب الجدل الّذي أثارته في المجتمع الإسرائيلي لاحقَا.

في ذلك اليوم حشد الفهود السّود أكثر من خمسة آلاف متظاهر وانطلقوا للسير سويًا من دوّار “دافيدكا” بالقدس باتجاه دوار “صهيون”، مطالبين بالمساواة العرقيّة وإنهاء الفقر والتمييز.  تخلّلت المسيرة ساعات من الاشباكات العنيفة بين المتظاهرين والشرطة وأدت إلى اعتقال مئة من المتظاهرين وإصابة العشرات، كما قام بعض المتاظرين برمي الزجاجات الحارقة (المولوتوف) باتّجاه الشّرطة الّتي قامت بدورها برشّهم عبر مدفعيّات خاصّة بمياه مصنّعة ومصبوغة باللون الأخضر.

استمرّت المواجهات والاعتقالات طوال الليل حتى صباح اليوم التّالي. وفي الأيام التي تلت “ليلة الفهود السّود”، ظهر فرقٌ كبير بتغطية الحدث إعلاميًا بين الصّحف العبريّة والعربيّة في البلاد، وتراوحت الآراء في الشّارع الإسرائيليّ، فحتّى تلك الأصوات الّتي عبّرت عن تضامنها مع اليهود الشّرقيين وما يعانونه من ظروف لا تُحتمل، أكدّت على استنكارها للمظاهرات “العنيفة”. بينما قامت صحيفة الاتّحاد باستنكار “عنف الشّرطة” من جهة أخرى، واستنكرت اعتقالاتهم. كما قامت الكتلة الشّيوعيّة في الكنيست بالمطالبة بتحقيق حول عنف الشّرطة واعتقالات الفهود السّود وطالبت بالإفراج عنهم، مظهرة تضامنًا تحوّل بعد سنوات قليلة إلى تعاون رسميّ بين الحزب الشّيوعي الإسرائيليّ والفهود السّود ليؤسسّوا سوية “الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة” ويترشّح أعضاؤها لانتخابات الكنيست التّاسعة لأوّل مرّة جنبًا إلى جنب.

من منشور الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة للكنيست التاسعة عام 1977، المكتبة الوطنيّة.
من منشور الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة للكنيست التاسعة عام 1977، المكتبة الوطنيّة.

                                        لقراءة اتّفاقيّة الفهود السّود مع الحزب الشّيوعي في جريدة الاتّحاد


أثرُ الفهود السّود

 ليس هناك “فهود سود” اليوم في السّياسة أو الشّارع الإسرائيليّ. فالحركة الّتي بدأت كحراكٍ شعبويّ من الشّارع اتّخذت خيارًا بالتّحرك نحو السّياسة والانتخابات، وكان لمجموعة ذات خلفيّة مستضعفة مثلها أن تكون دائمة البحث عن تحالفات كبرى تسند وجودها في الكنيست. بدأت تحالفاتهم من الحزب الشّيوعيّ وترشّحوا  فيما بعد كحزب مستقلّ عام 1990 ولكن لأسباب داخليّة تفكّك الحزب وتنقّل أعضاؤه فرادى بين أحزابٍ شتّى بين اليمين واليسار ولم يعد هناك أثرٌ مرئيٌ لهم كمجموعة واحدة في مشهد السّياسة الإسرائيليّة.

يشير ميناحم هوفنونج في كتابه “أثر تظاهرات الفهود السّود على ميزانيّات المجتمع والرّفاه” إلى أنّ تعامل الدّولة القمعي مع الفهود السّود كحركة في بداياتها كان خوفًا من تعاظم شعبيّتهم في الشّارع، مما كان ليجلب الكثير من الفوضى لأجهزة الدّولة. إلّا أنّها من جهة أخرى، وبسبب تلك التّظاهرات الضّخمة، أضحت تدرك جيّدًا ما قد يواجهها من غضب إن لم تصنع أثرًا فارقًا في ترتيب ميزانيّاتها وتأهيل أجهزتها للعناية بمجتمعات اليهود الشّرقيين بشكلٍ أفضل. بكلمات أخرى، لم تعترف الدّولة ولم تأخذ بمطالبات ومشاكل الفهود السّود كما قاموا هم بصياغتها، إلّا أنها رأت من خلال حركتهم مؤشّرًا لضرورة العمل بشكلٍ مختلف مع هذه الشّريحة في مؤسساتها.

 

 

حكاية مكتبة محمد هادي الحاج مير؛ ثروةٌ فُقدت في البقعة

"لكن الذي يهمني في الحقيقة مكتبتي" – من كلمات الأستاذ محمد هادي الحاج مير في رسالته التي كتبها للبروفيسور هوغو بيرغمان طالبًا منه العون في البحث عن مكتبته في القدس والمحافظة عليها.

ربما حرب عام 1948 قد وضعت أوزارها، إلّا أنّ العديد من القصص والحكايات فُـقدت أثناء الحرب. ومن أكثر الحكايات التي آلمت أصحابها، هي حكاية مكتباتهم المفقودة التي فارقوها خلال الحرب آملين بعودتهم إليها واستعادة هذه الثروة المعرفية التي امتلكوها؛ مثل كتب خليل السكاكيني، محمد هادي الحاج مير، محمد إسعاف النشاشيبي، فايز أبو رحمة، توفيق كنعان وغيرهم من روّاد الثقافة الفلسطينية خلال عهد الانتداب البريطاني.

اختلفت سبل وتوجهات كلٍّ منهم بالمطالبة بمكتبته وتتبع أماكن وجود كتبهم، وكان من بين الأشخاص الأستاذ والمربي محمد هادي الحاج مير الذي تكاتب، برسالة بخط اليد، كتبها للبروفيسور هوجو بيرغمان مستفسرًا عن حال مكتبته أو كما سمّاها بالثروة العلمية.

ارتأينا أن نشارككم قصّة مكتبة الحاج مير وبحثه الضّنين عنها. فمن هو الأستاذ محمد الحاج مير؟

وردت بعض القصص والذكريات من الكلية العربية في كتاب “الكلية العربية في القدس: ذكريات وتاريخ” لـ مالك المصري وذلك توثيقاً لتاريخ هذا الصرح العلمي الأصيل والغني؛ حيث عرّف بكل الأساتذة فيما ترك الختام للأستاذ محمد هادي الحاج مير، وذلك للإسهاب في الحديث عنه كقامة تربوية وعلمية، فأخبرنا المصري: “لقد تلقى الدكتور الحاج مير دراسته العليا في ألمانيا، ومنها حصل على شهادة الدكتوراة، ومنها عاد إلى فلسطين ليمارس مهنة التعليم، حيث ارتقى حتى أصبح مدّرساً لمادة التاريخ في الكلية العربية. ولقد كان دائمًا يخبرنا أنّ التاريخ كالرياضيات، هكذا كان يقول الحاج مير، المقدمات تؤدي إلى النتائج.” لقد كان الحاج مير أستاذًا لمادة التاريخ المتوسط والتاريخ الحديث، ومن المربيين الذي دعموا الطلبة لتحصيل المعرفة وكذلك ممن يمازحون طلبتهم ويهتمون بهم وبأحوالهم الشخصية والعائلية وذوي الهيبة بين طلبتهم. (الكلية العربية في القدس: ذكريات وتاريخ، 1995)

كتب الأستاذ الحاج مير العديد من المقالات في مجلة الكلية العربية، منها مقالة الفوضى الثقافية في الشرق العربي” الصادرة في العام 1946، وكذلك نشر بعض الاقتراحات لتدريس مادة التاريخ في العام 1928. ظلّ الالحاج مير من أبرز المدرّسين المتميّزين في كلٍّ من الكليّة العربيّة والمدرسة الرّشيديّة في القدس حتّى أتى العام 1948 وغيّر أحوال البلاد وأهلها.

المنتدى، 22 شباط 1946
المنتدى، 22 شباط 1946

 

⁨⁨الكلية-العربية⁩⁩، 01 كانون الأوّل 1928
⁨⁨الكلية-العربية⁩⁩، 01 كانون الأوّل 1928

 

ماذا حلّ بـ الحاج مير؟

في تاريخ 14 تموز 1951، بعد ثلاثة أعوام من الحرب، أرسل الأستاذ الحاج مير رسالة بخط اليد وباللغة العربية للبروفيسور هوغو بيرغمان يطلب منه مساعدته لإيجاد مكتبته، ونفهم من خلالها ماذا حلّ بحياته بعد خروجه من بيته في القدس وأين انتهى به المطاف.

رسالة محمد حاج مير إلى هوغو بيرغمان
رسالة محمد حاج مير إلى هوغو بيرغمان


حضرة الأستاذ هوغو بيرغ
من المحترم،

أرجو أن تكون وعائلتك بصحة وعافية.
أكتب لك هذه الرسالة من أدنبرة – اسكتلندا راجيًا أن تفيدوني عن مسألة تهمني جدّا ألا وهي: مكتبتي
library

عندما غادرتُ البقعة في 5/5/1948 وكنت أسكن في بيت القوّاس في البقعة الفوقاء في جوار مدرسة الأمة على الطريق المؤدي إلى ميكور حاييم – تركت بيتي كما هو؛ أيّ بكل ما فيه من أثاث وغيره.

لكنّ الذي يهمني في الحقيقة مكتبتي الذي لا أشك بأنكم تقدّرون ما فيها من مؤلفات في جميع المراجع الإنسانية من تاريخ وفلسفة وفن واقتصاد والعلوم الإسلامية وكتب قّيمة جدًا في الصهيونية وتاريخها عدا عن بعض المخطوطات والآثار. كما أنّي تركت ثروة عظيمة من المحاضرات والمواضيع التي كنت جهّزتها للطبع وخاصة في تاريخ الحروب الصليبية وغيرها من المواضيع الإسلامية والأدبية.

وبما أّني أعتقد باهتمامك في هذا التراث العلمي القيّم وددتُ أن أتصل بك حتى تفيدني عما تمّ بذلك كما أنّي أرجوك أن تهتم بالمحافظة على هذه المكتبة لأنّي أعتقد بأنّك لا تشكّ بأنّ الأمر لو كان بالعكس؛ أي لو كانت مكتبتك في منطقة تخصني لما تأخرتُ أصلاً عن المحافظة كتراث علميّ أقدّر قيمته وعلى أمل أن أحصل على جواب مطمئن منك.

أتقدم باحتراماتي،
المخلص،
محمد الحاج مير

فما كان من البروفيسور هوجو بيرغمان إلا أن قام بالرّد عليه برسالة باللغة الألمانية “ليطمئنه” وذلك في تاريخ 29 تموز 1951، قمنا بترجمتها للعربية هنا:

 

رد هوغو بيرغمان على حاج مير
رد هوغو بيرغمان على حاج مير

عزيزي الأستاذ الحاج مير،
لقد استلمتُ رسالتك، شكراً لك. كنت أتمنى لو كان بمقدرتي أن أساعدك من الناحية القانونية لتتبع مسار مكتبتك. خلال القتال آنذاك، سعت مكتبتنا جاهدة لمنع تلف ودمار المكتبات وذلك من أجل الحفاظ على الكثير من الكتب، وهذه المكتبات الآن تحت رعاية السلطات المخوّلة بالحفاظ عليها. لقد توجهتُ إلى المدير الحالي للبحث والفحص مع مجموعة من الخبراء فيما لو كانت كتبك ضمن المجموعة التي حُفظت. بكل أسف، لقد أعلموني أنّ كتبك لم تكن ضمن المجموعة المحتفظ بها. أعتذر لهذا الخبر.

يُسرني أنك الآن في أدنبرة وأنك قد باشرتَ العمل على أبحاثك العلمية.
تحياتي الحارة وأطيب الأمنيات بالخير والسعادة،

مع الاحترام،
هوغو بيرغمان

لم يكن توجه الحاج مير لهوجو بيرغمان عبثًا، فلقد كان هوجو بيرغمان بروفيسورًا في الجامعة العبرية ولاحقاً رئيساً لدار الكتاب القومي والجامعي (المكتبة الوطنيّة الإسرائيليّة)، ومن نخبة المثقّفين الأوروبيين وصديقاً للعديد من الكُتّاب والفلاسفة مثل فرانز كافكا. لقد علم الحاج مير أن هوجر بيرغمان سيقّدر هذه الثروة العلمية ويساعده، وهو ما لم يحدث، مع الأسف. ولكن السؤال الأهم: أين المكتبة؟

لم يتمّ العثور على مكتبة محمد هادي الحاج مير حتّى هذه اللحظة، بعد ثلاثة وسبعون عامًا منذ أن افترق عنها في حي البقعة عام 1948. ربما اختفت المكتبة لعدم توثيق الكتب باسمه، وربّما أحيلت تحت قانون “أملاك الغائبين” وما زالت مقفلة في إحدى المخازن، وربما هُرست كما أسلف بعض الباحثين، إلّا أن عمله كمربي وأكاديمي لم يختفي وما زال حاضرًا حتى يومنا هذا.

يمكنكم الاطّلاع على كتابات الأستاذ محمد هادي الحاج مير في مجلّة الكلّية العربيّة على موقع أرشيف الصّحف الفلسطينيّة القديمة في المكتبة (جرايد).

هوغو بيرغمان: هو فيلسوف وأكاديمي إسرائيلي من أصول نمساوية ولد في مدينة براغ في العام 1883 وتوفي في مدينة القدس في العام 1975. قدم إلى البلاد عام 1920 وترأس دار الكتب القومية ولاحقاً في عام 1925 (افتتاح الجامعة العبرية في القدس) أصبح بروفيسورًا ورئيسًا للجامعة العبرية ولدار الكتب القومية والوطنية. بالإضافة لتأليف أكثر من عشرة كتب في مجالي الفلسفة والسياسة، والعديد من الكتب المترجمة والدراسات البحثية إلى اللغة العبرية.

أين ذهبت القهاوي؟ عن إعلانات القهاوي فترة الانتداب البريطاني

إلى جانب تقديم للقهوة والشّاي، قدّمت القهاوي الفنون والأدب والثّقافة. تحمل ملصقات القهاوي العديد من الحكايات التي رافقت المجتمع الفلسطيني فترة الانتداب.

قهوة كوكب الصباح

“قهوة” أو “القهوة البلدي” كما تسمّى في مصر هو الاسم التّراثي والمتداول لمئات السّنين للمقاهي الشّعبيّة الّتي امتدّت وتنوّعت وظائفها في عشرات المدن والعواصم العربيّة. أقيمت أولى القهاوي الشّعبيّة في عهد الدولة العثمانيّة في القرن الخامس عشر، وتختلف المصادر حول المدينة الأولى الّتي نشأت بها القهاوي، فبعضها يشير إلى دمشق وبعضها يشير إلى مكّة وبعضها يشير إلى القاهرة، حيث كان يلتقي التّجار لنقاش صفقاتهم أثناء شرب القهوة أو تدخين الأرجيلة ثم بدأت وظائفها الاجتماعيّة والثقافية تتبلور شيئًا فشيئًا. فكانت الملهى اللّيليّ تارة، والملتقي الفكريّ تارة، أو ملتقى الأصحاب من كبار السّن للعبة النّرد، أو استراحة الظّهر لزملاء الدّراسة، والمساحة الّتي تتطوّر بها الجدالات السّياسيّة ونقاشات الوضع الرّاهن. كانت القهاوي غالبًا مفتوحة أبوابها العريضة على الرّصيف والشّارع حيث تمتد مقاعدها كذلك، ممثّلةً طبيعة حيّزها الّذي تربّع بين العام والخاص، والّذي اقتصر طويلًا على الرّجال دون النّساء.

قهوة في القاهرة عام 1898، أرشيف مكتبة الكونغرس
قهوة في القاهرة عام 1898، أرشيف مكتبة الكونغرس

ما زالت القهاوي موجودة اليوم في المدن والعواصم العربيّة لكنّها قليلة وليست الوجهة الأولى لشرائح عديدة من المجتمع، فهناك المقهى المعاصر اليوم، وشبكات التّواصل، ونمط الحياة السّريع والإستهلاكيّ الّذي لم تعد القهوة البلديّة تشبهه بهدوئها وتواضعها.

وجدنا في مجموعة ملصقات المكتبة الوطنية بالعربيّة إعلانات عديدة تخصّ قهاوي شعبيّة في حيفا ويافا والقدس وغيرها من المدن الفلسطينيّة تعود غالبيّتها لفترة الانتداب البريطاني وعدد قليل لفترة الدولة العثمانيّة، نعرض لكم بعضها هنا.

لتصفّح جميع الملصقات بالعربيّة هنا. (رابط البوابة)

تدلّنا الملصقات على طبيعة مختلفة للقهاوي عن تلك العفويّة والفوضويّة في أذهاننا. فهنا تقوم إدارة القهوة بالإعلان عن برنامج فعاليّاتها مسبقًا وتوزّع منشوراتها المصمّمة والمصوّرة بعناية لحشد الجمهور. تجدون في بعضها أسعار المشروب وفي بعضها الدخوليّة – خمسون قرشًا، ثلاثين مليم للشراب الواحد، ونظافة وخدمة راقية تنتظركم. كما تطغى الحفلات الرّاقصة وأمسيات السّمر على منشوراتها الّتي تبرز بها أسماء الرّاقصات والمغنّيات والعازفون وأحيانًا صورهم. كما يظهر في مناشير قهوة كوكب الصّباح، لصاحباها الحاج عبد الحميد وخليل المغربي، الّتي يبدو أنها كانت وجهة شهيرة للحفلات الغنائيّة والرّاقصة في حيفا في سنوات الثلاثينيّات. وتظهر في بعض المنشورات باسم قهوة وبار كوكب الصّباح.

يعرض المنشور اسم القهوة في العنوان وفي الغالب يتلوها اسم صاحبها الكامل، ثم بكلمات لبقة ك “بشرى سارّة لأهالي حيفا” يبدأ المنشور بدعوة النّاظر إليه لحدث لا يريد أن يفوّته: الرّاقصة الشّهيرة فلانة أو عازف العود فلان، الزّمان والمكان وجملة ختاميّة تعدّ بليلة لا تُنسى. وإن كان ضيوف السّهرة من المشاهير فترفق صورة بالأبيض والأسود في المنتصف أو على الأطراف، كما في منشور أمسية السّيدة ماري شهاب. كما يفصّل المنشور أنواع الرّقص الّتي تتقنها ضيفة السّهرة: ومنها المصري والتركي والعربي والإفرنجي. وكذلك الأمر في منشورات كل من قهوة “قصر البحر” وقهوة “الانشراح”. وفي بعض المنشورات تجدون تفصيلًا للخدمات اليوميّة الّتي تعرضها القهوة. فيوضح أحد منشورات قهوة كوكب الصّباح أن “كل صباح لغاية الساعة الثّامنة مساءً فنجان القهوة أو الشاي ب 5 ملات والكازوز 10 ملات، ومن الساعة الثامنة مساءً لغاية الساعة الثانية عشر مساءً سمع وطرب مع تقديم فنجان قهورة أو شاي أو كازوز أو مشروبات روحيّة ب 30 مل فقط”.

ملصق مصوّر لقهوة وبار كوكب الصّباح في حيفا، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.
ملصق مصوّر لقهوة وبار كوكب الصّباح في حيفا، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.

 

ملصق  لقهوة النشراح في الثلاثينيّات، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.
ملصق  لقهوة الانشراح في الثلاثينيّات، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.

 

ملصق  لقهوة كوكب الصّباح في حيفا، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.
ملصق  لقهوة كوكب الصّباح في حيفا، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.

 

منشور لقهوة قصر البحر، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.
منشور لقهوة قصر البحر، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.

أما في يافا فنجد على مسرح “قهوة البلور” ليلة السبت 10 تشرين الأول 1919 مسرحيّة “فتح الأندلس أو طارق بن زياد”، يقوم بتمثيلها عمّال سكّة الحديد في يافا! ويتّضح من المشروع أنّ النّشاط تطوّعيًا ويجمع ريع المسرحيّة لإعالة عائلات “مستشهدي سكة الحديد الفلسطينيّة”، وتتضمن الأمسية فقرة طربيّة لـ “بلبل فلسطين” السيد درويش اسكسك والسّيدة ثريّا ويتلوهم فعل مفاجئ ومضحك. يدلّنا المنشور هذا بالتحديد على دور إضافيّ للمقاهي تشكّل في المناخ النّضالي وكان جزءًا منه. وفي منشور آخر لقهوة البلور يعود لعام 1907 تعلن القهورة بلغات ثلاث: العربيّة والتركيّة والإنجليزيّة عن أمسية فنّية أخرى. وهو المنشور الوحيد الّذي يستهدف غير العرب من الضّيوف.

منشور لقهوة البلور عام 1907 في يافا، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.
منشور لقهوة البلور عام 1907 في يافا، مجموعة الملصقات والإفميرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.

 

منشور لقهوة البلور عام 1919 في يافا، مجموعة الملصقات والإفيمرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.
منشور لقهوة البلور عام 1919 في يافا، مجموعة الملصقات والإفيمرا بالعربيّة، المكتبة الوطنيّة.

لا شكّ أن الملصقات وسيلة ممتعة وناجعة للتعرّف على الماضي عن قرب ومحاولة استكشاف ملامحه ومعايشتها. وملصقات القهاوي ما زالت محفوظة وتحمل لنا تفاصيل كثيرة عن الحياة الاجتماعية والثّقافية للمدن الفلسطينيّة، وتحمل أسماء فنّانين وفنّانات وملّاك ما زالت قصصهم مجهولة لنا، وما نعرفه على الأقل أنّ تلك القهاوي كانت حافلة بالبرامج الترفيهيّة وأنها إلى جانب تقديمها للقهوة والشّاي قدّمت الفنون والأدب والثّقافة.