كانت الصحافة العربية في حيفا مطلع القرن العشرين تتشكل في مدينة سريعة الحركة، تتقاطع فيها التجارة والتعليم والسياسة والحياة الثقافية. وفي هذا الجو نشأت ساذج نصّار، قبل أن تجد نفسها بعد سنوات داخل غرفة تحرير جريدة “الكرمل”، تكتب المقالات وتتابع الأخبار وتدخل تدريجيًا إلى مساحة عامة لم تكن واسعة أمام النساء في ذلك الوقت. درست في مدرسة راهبات الناصرة في حيفا، ونشأت في أسرة ذات خلفية ثقافية متنوعة، فوالدها الشيخ بديع الله بهائي كان من عكا ومن أصول إيرانية. وعندما بدأت الكتابة في “الكرمل” عام 1923، كان عمرها في بداية العشرينيات، لكن حضورها في الصحيفة أخذ يتسع بسرعة.

هناك تعرّفت إلى الصحفي نجيب نصّار، مؤسس “الكرمل”، ثم تزوجا وأصبحت شريكة فعلية في إدارة الجريدة وتحريرها. وفي عام 1926 افتتحت زاوية “صحيفة النساء”، وخصصتها لموضوعات التعليم والعمل والأسرة ومكانة المرأة في المجتمع. كانت كتاباتها مباشرة، دعت الأمهات إلى عدم التمييز بين الأبناء والبنات، وشجعت النساء على التعليم والعمل والمشاركة في الشأن العام. وبعد سنوات أصبح لها في الصحيفة أكثر من مساحة ثابتة، بينما امتد نشاطها خارج غرفة التحرير إلى الجمعيات والمؤتمرات النسائية.
وتكشف الصحف المحلية شيئًا آخر عن شخصيتها، فقد كانت تظهر فيها كاسم يعرفه القراء ويتابعون تحركاته. ففي عام 1931، نشرت “مرآة الشرق” خبرًا عن توليها إدارة “الكرمل” أثناء غياب نجيب نصّار، وتحدثت عن قدرتها على إدارة الصحيفة ومتابعة شؤونها. لم يكن الخبر طويلًا، لكنه يكشف موقعًا غير معتاد لامرأة في صحافة ذلك الزمن: مسؤولة عن جريدة قائمة، تتعامل مع التحرير والطباعة والعمل اليومي للجريدة.

وخلال الثلاثينيات، أصبح حضور ساذج أكثر ارتباطًا بالنشاط النسائي العام. شاركت مع مريم الخليل في تأسيس “جمعية الاتحاد النسائي العربي” في حيفا، وحضرت مؤتمرات نسائية في القاهرة، كما حاولت الوصول إلى النساء في المناطق الريفية وتنظيم نشاطات خاصة بهن. ثم جاء عام 1938 ليغيّر موقع اسمها في الصحف تمامًا. اعتقلتها سلطات الانتداب البريطاني بتهمة تقديم مساعدة لمجموعات مسلحة، واستمر احتجازها قرابة أحد عشر شهرًا.
منذ ذلك الحين، بدأت أخبار ساذج نصّار تظهر في الصحف من زاوية مختلفة. نشرت الجرائد أخبار احتجاج السيدات على اعتقالها، ومطالبات بالإفراج عنها، وزيارات نسائية لها أثناء الاحتجاز. ووصلت القضية إلى الحركة النسائية العربية خارج البلاد؛ إذ نشرت الصحف خبر رسالة من هدى شعراوي إلى المسؤولين البريطانيين تطالب فيها بإطلاق سراحها. وبذلك أصبح الاسم الذي اعتاد القراء رؤيته أسفل المقالات موضوعًا للأخبار نفسها.

بعد الإفراج عنها عادت إلى العمل الصحفي، واستمرت في “الكرمل” حتى إغلاقها عام 1944. ثم عاشت لاحقًا في لبنان وسورية، وواصلت الكتابة في صحف عربية مثل “اليوم” و”القبس”. وعندما توفيت في دمشق عام 1970، كانت تجربتها قد امتدت نحو نصف قرن، من أول مقال في صحيفة محلية إلى شخصية تابعت الصحف أخبارها واحتجاجات النساء من أجلها.