وُلد السيد درويش البحر في الإسكندرية في 17 آذار 1892، في مدينة كانت تعيش على إيقاع البحر والعمل والحركة المستمرة. نشأ الصبي درويش في بيئة متواضعة، وتلقى تعليمه الأول في الكُتّاب، ثم التحق بالمعهد الديني، حيث تعرّف إلى التواشيح والإنشاد الديني. لكن الحياة لم تمهله وقتا طويلاً ليتفرغ للفن، فقد تزوّج في سن مبكرة، واضطر للعمل عامل بناء ليعيل أسرته. في مواقع البناء، كان صوته يعلو بالغناء، يلفت انتباه العمال وأصحاب العمل على حد سواء، من دون أن يدرك أن تلك اللحظات العابرة ستكون بوابته إلى مسار مختلف تمامًا.

في أحد المقاهي القريبة من موقع عمله، سمعه الأخوان أمين وسليم عطا الله، وهما من العاملين في المسرح آنذاك وأقنعوه بالعمل معهم. رافقهما السيد درويش إلى بلاد الشام عام 1908، وهناك بدأ وعيه الموسيقي يتشكّل بشكل أعمق اذ تعلّم العزف على العود، واطّلع على أنماط موسيقية جديدة، وتعلّم كتابة النوتة، ما منح موهبته الفطرية أساسًا تقنيًا يكملها. بعد عودته، بدأ اسمه ينتشر تدريجيًا، ولحّن أول أدواره، قبل أن ينتقل إلى القاهرة عام 1917.

في القاهرة، وجد سيد درويش مسرحًا واسعًا لأفكاره،فعمل مع أكبر الفرق المسرحية في ذلك الوقت، مثل فرق نجيب الريحاني، وعلي الكسار، وجورج أبيض، وأصبح خلال سنوات قليلة الملحن الأكثر حضورًا وتأثيرًا. لم تكن ألحانه موجهة للنخبة فقط، بل استمد موضوعاته من حياة العمال والحرفيين والناس البسطاء،وكانت أغانيه قريبة من الشارع، سهلة في ظاهرها، عميقة في تأثيرها.
مع اندلاع ثورة عام 1919، تفاعل سيد درويش معها بشكل مباشر، فغنّى للوطن وللناس، وارتبط اسمه بالأغنية الوطنية التي تحولت إلى صوت جماعي. استلهم كلمات نشيد “بلادي بلادي” من عبارات للزعيم مصطفى كامل، ليصبح لاحقًا النشيد الوطني المصري. هذا الارتباط بين الفن والواقع الاجتماعي هو ما جعله يُعرف بلقب “فنان الشعب”.
على الرغم من عمره القصير، كان إنتاج السيد درويش غزيرًا ومتنوّعًا، شمل عشرات الموشحات والطقطوقات والأعمال المسرحية. توفي قبل عيد ميلاده الثاني والثلاثين ، في ظروف مفاجئة لا تزال موضع جدل. لكن المؤكد أن أثره تجاوز زمنه بكثير، وبقي حاضرًا في الذاكرة الموسيقية العربية، بوصفه مؤسسًا لمرحلة جديدة جعلت الموسيقى تعبيرًا حيًا عن المجتمع، لا مجرد أداء للمتعة وحدها
للاستماع المباشر لبعض تسجيلات سيد درويش المتوفرة في أرشيف المكتبة الوطنية،اضغطو هنا.