بعيدًاعن السياسة: ماذاحفظت لنا مجلة السمير؟

في صباح أحد أيام عام 1940، قد يمرّ بائع الصحف في شوارع حيفا وهو يحمل بين يديه عددًا جديدًا من السمير. يتوقف المارة للحظة، يطالعون الغلاف، ثم يحمل أحدهم المجلة معه إلى المقهى أو إلى البيت. لم تكن السمير مجلة سياسية ثقيلة، ولا صحيفة أخبار عاجلة، كانت أقرب إلى رفيق أسبوعي يأتي محمّلًا بالقصص والصور والطرائف وأحاديث الناس.

في صباح أحد أيام عام 1940، قد يمرّ بائع الصحف في شوارع حيفا وهو يحمل بين يديه عددًا جديدًا من السمير. يتوقف المارة للحظة، يطالعون الغلاف، ثم يحمل أحدهم المجلة معه إلى المقهى أو إلى البيت. لم تكن السمير مجلة سياسية ثقيلة، ولا صحيفة أخبار عاجلة، كانت أقرب إلى رفيق أسبوعي يأتي محمّلًا بالقصص والصور والطرائف وأحاديث الناس.

عند تصفح صفحاتها اليوم، يبدو وكأن المجلة كانت تحاول أن تمنح قرّاءها استراحة قصيرة من صخب العالم. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تمر بتحولات سياسية كبرى، اختارت السمير أن تفتح نوافذ أخرى؛ نوافذ تطل على السهرات والحفلات والأخبار الاجتماعية والنوادر التي يتبادلها الناس في مجالسهم. وبين صفحة وأخرى، يجد القارئ نفسه يتنقل من خبر عن حدث وقع خلال الأسبوع إلى قصة قصيرة، ثم إلى مسابقة أو لغز، قبل أن يتوقف أمام صورة أو رسم كاريكاتيري يضفي شيئًا من الخفة على القراءة.

ومن اللافت أن المجلة لم تكتفِ بنقل الأخبار، بل حاولت أن تصنع عالمًا كاملًا لقرائها. فهناك أبواب ثابتة تنتظرهم كل أسبوع، وزوايا تحمل عناوين جذابة تدعوهم للمتابعة، ومقالات تتحدث بلغة قريبة من الحياة اليومية. وفي صفحاتها تظهر اهتمامات الناس كما كانت آنذاك: المسرح، والرحلات، واللقاءات الاجتماعية، والقصص المسلية، والأحداث التي يتداولها أهل المدن والقرى.

تكشف بعض الصفحات أيضًا عن أهمية الصورة في المجلة. فإلى جانب النصوص، حضرت الصور الفوتوغرافية لتوثق شخصيات واجتماعات ومناسبات مختلفة، بينما أضافت الرسوم والكاريكاتيرات لمسة من الفكاهة التي بدت جزءًا أساسيًا من هوية المجلة. ولم يكن الهدف مجرد الإضحاك، بل خلق مساحة يشعر فيها القارئ أن المجلة تخاطبه وتشاركه تفاصيل أسبوعه.

وربما كان أكثر ما يميز السمير أنها تعكس جانبًا من الحياة اليومية التي لا تظهر كثيرًا في كتب التاريخ. فبين الأخبار الكبرى والقرارات السياسية، كانت هناك دائمًا حياة أخرى يعيشها الناس: أمسية مسرحية، أو نكتة متداولة، أو رواية يتابعون فصولها أسبوعًا بعد أسبوع، أو مكان جديد يقترح عليهم أحد الكتّاب زيارته. ولهذا تبدو المجلة اليوم أشبه بنافذة صغيرة على فلسطين الأربعينيات، لا تخبرنا فقط بما حدث، بل بما كان الناس يقرؤونه ويتحدثون عنه ويضحكون له في أوقات فراغهم.

ورغم أن السمير اختفت من الساحة الإعلامية بعد فترة قصيرة، فإن أعدادها الباقية ما تزال تحتفظ بذلك العالم؛ عالم أسبوعي مليء بالصور والحكايات والتفاصيل الصغيرة التي منحت الحياة اليومية مكانًا لها على صفحات الصحافة.