بين ريتا وعيوني… بندقية.
بهذه الجملة القصيرة فتح محمود درويش نافذةً على قصةٍ لم يشأ أن يرويها كاملة، لم تكن تلك العبارة محاولة لصناعة استعارة لامعة بقدر ما كانت تلخيصاً لحياة عاشها بين الخاص والعام، بين القلب والتاريخ، وقبل أن تتحول ريتا إلى اسم يتردد في القصائد وتتناقله الأجيال، كانت مجرد فتاة تعرّف إليها في حيفا في أوائل الستينيات، في وقت كان هو نفسه لا يزال يتشكّل شاعراً ورجلا داخل واقع سياسي شديد التعقيد.

وُلد درويش في قرية البروة في الجليل، وعاش طفولة اقتُلعت منها الأرض باكراً، إذ خرج مع عائلته عام 1948 وعاد متسللاً ليجد القرية غائبة والبيت مهدوماً، فكبر وهو يحمل شعوراً مزدوجاً بالانتماء والاقتلاع، وعبّر لاحقاً عن ذلك بقوله: “الشرخ الذي حدث في حياتي الشخصية حدث أيضاً لوطني” ملخصاً تجربة تشكّلت تحت المراقبة والاعتقال في الستينيات، ثم تحت وطأة المنفى الذي تنقّل فيه بين موسكو والقاهرة وبيروت وباريس.
عاش في بيروت سنوات الحصار وكتب تحت القصف، ثم انتقل إلى عواصم أخرى حاملاً معه سؤال الهوية، وكتب وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني لمنظمة التحرير عام 1988، مؤكداً حضوره الوطني، ومع ذلك ظل يرفض أن يُختزل في دور تمثيلي، فكان يقول: “لا أحب التمثيل… إنني بالكاد أمثل نفسي”، فبقيت في شعره مساحة للإنسان الفرد، للعاشق، للمتردد، إلى جانب الشاعر الذي يكتب عن الوطن والمنفى.

التقى في تلك السنوات بفتاة يهودية كانت أصغر منه سناً، ونشأت بينهما علاقة استمرت نحو خمس سنوات، التزما خلالها قدراً من السرية بحكم الظروف المحيطة بهما، وتبادلا اللقاءات والرسائل في دوائر ثقافية محدودة، ولم تكن العلاقة صاخبة أو استعراضية، بل كانت عادية في بدايتها، وربما كانت تلك العادية هي ما منحها ثقلها، إذ وجد شاب في بداياته نفسه واقعاً في حب لا يعرف كيف يمنحه مستقبلاً واضحاً.
اعترف درويش لاحقاً قائلاً:” لم أكن أعرف ماذا أفعل بهذا الحب، وأين آخذه”، ولم يكن السؤال رومانسياً بقدر ما كان عملياً، فإلى أين يمضي شاعر فلسطيني شاب بعلاقة مع فتاة إسرائيلية في ستينيات مشحونة سياسياً، وكيف يمكن أن تتحول تلك العلاقة إلى حياة مشتركة في واقع يزداد انقساماً يوماً بعد يوم.
كتب في قصيدة «ريتا والبندقية»: «بين ريتا وعيوني… بندقية»، فجاء السطر مباشراً، خالياً من الزخرفة، معلناً وجود حاجز لا يمكن تجاهله، ولم يكن السلاح مجرد رمز بل كان سياقاً يومياً يفرض نفسه، وجاءت حرب عام 1967 لتضع حداً نهائياً للعلاقة، إذ التحقت هي بالخدمة العسكرية، بينما دخل هو مرحلة جديدة من المنفى، فصار الخاص جزءاً من مشهد سياسي أكبر.

أنكر درويش لسنوات طويلة أن بأن ريتا شخصية حقيقية، ثم أعاد صياغة الأمر بقوله: “ريتا ليست اسم امرأة، هي اسم شعري لصراع الحب في واقع الحرب”، فنقلها من السيرة إلى النص، وجعلها موقعاً للتوتر بين العاطفة والتاريخ، لا اعترافاً شخصياً مباشراً، وعندما التقيا مجدداً في باريس عام 1989 كان اللقاء قصيراً وبارداً، وقيل إنه قال لها: “أنتِ لستِ حبيبتي”، وكأن العبارة محاولة لإغلاق باب ظل مفتوحاً في الذاكرة أكثر مما هو في الواقع.
عاد فيلم سجّل أنا عربي عام 2014 ليعيد القصة إلى الواجهة، ويكشف رسائل كتبها لها بالعبرية، ويثير نقاشاً جديداً حول حدود الشاعر بين حياته الخاصة وصورته العامة، لكن درويش كان قد حسم الأمر شعرياً منذ زمن حين كتب: “الحب ممنوع هنا”، فلم يكن المنع أخلاقياً بل تاريخياً، إذ لم يتح للتجربة أن تعيش خارج ظل السياسة.
رحلت تمار بن عامي قبل فترة قصيرة في برلين عن تسعة وسبعين عاماً، فانتهى الفصل الواقعي من الحكاية، وبقي الاسم الذي اختاره الشاعر يعيش في القصائد، ولم تكن القصة ملحمة حب أسطورية بقدر ما كانت لحظة اصطدام بين شاب يحب وزمن لا يسمح للحب بأن يكون بسيطاً، فاختار أن يكتب تلك اللحظة كما هي، تاركاً بين العين والحبيبة مسافة لم تُردم.