لم يكن الطريق الذي قاد نجيب الريحاني إلى خشبة المسرح طريقًا مستقيمًا. وُلد في القاهرة لأسرة متعددة الأصول، ونشأ في مدينة كانت تعيش نهضة ثقافية ومسرحية متسارعة. تلقى تعليمه في مدارسها، وأظهر منذ سنواته الأولى ميلًا إلى التمثيل وإلقاء الشعر، لكن الحياة قادته بعد ذلك إلى وظائف بعيدة عن الفن. لم يطل بقاؤه فيها؛ فقد كان المسرح يعود ليظهر كلما ظن أنه ابتعد عنه، حتى تحول مع الوقت من هواية إلى مشروع حياة.

في بداياته وقف على الخشبة بأدوار صغيرة، ولم تكن تلك البدايات توحي بأنه سيصبح لاحقًا أحد أشهر وجوه المسرح العربي. غير أن خفة ظله، وقدرته على ملاحظة تفاصيل الحياة اليومية، جعلت شخصياته تبدو مألوفة للجمهور. لم يكن يقدم أبطالًا خارقين، بل أشخاصًا يشبهون الناس في الشارع، يخطئون ويبالغون ويحلمون ويتورطون في مواقف كوميدية تنتهي غالبًا بابتسامة تحمل شيئًا من النقد الاجتماعي. ومع تعاونه الطويل مع الكاتب بديع خيري، بدأت تتشكل مدرسة مسرحية جديدة جمعت بين الفكاهة والواقع، وخرج منها عدد من أشهر المسرحيات التي عرفها الجمهور العربي.

ومع اتساع شهرته، لم يعد اسم نجيب الريحاني مرتبطًا بالقاهرة وحدها، بل أصبح واحدًا من الفنانين الذين انتقلت فرقهم المسرحية بين العواصم والمدن العربية. وكانت البلاد من المحطات التي استقبلته في أكثر من مناسبة خلال ثلاثينيات القرن العشرين، حيث تكشف الصحف المحلية أن وصول فرقته لم يكن خبرًا عابرًا، بل مناسبة فنية سبقتها حملات إعلانية واسعة وواكبها اهتمام صحفي لافت.

كانت الإعلانات تبدأ قبل وصوله بأيام، وأحيانًا بأسابيع، وتتصدرها صورته مع عبارات مثل «ملك المضحكين» و**«بطل الكوميديا في الشرق»**، بينما تدعو الجمهور إلى مشاهدة عروضه في القدس ويافا. وتظهر صفحات الصحف إعلانًا عن مسرحية «كشكش بك»، الشخصية التي التصقت باسمه وأصبحت إحدى أشهر الشخصيات الكوميدية في المسرح العربي، كما تروج لعروض أخرى مثل «30 يوم في السجن»، مؤكدة النجاح الذي حققته قبل وصولها إلى البلاد.

ولم يقتصر اهتمام الصحافة على الإعلانات، بل تابعت تفاصيل جولاته، ونشرت أخبار تمديد بعض العروض نتيجة الإقبال الكبير، إلى جانب صور للريحاني وفرقته، وتقارير عن الأمسيات المسرحية التي استقطبت جمهورًا واسعًا. وفي بعض الإعلانات كان اسمه وحده كافيًا ليحتل المساحة الأكبر من الصفحة، في إشارة إلى المكانة التي وصل إليها في الوعي الفني العربي.
وتمنح هذه القصاصات الصحفية اليوم صورة حية عن تلك المرحلة؛ فإلى جانب توثيقها لجولات نجيب الريحاني، فإنها تكشف كيف كانت البلاد جزءًا من الحركة المسرحية العربية، تستقبل كبار الفنانين وتتابع أعمالهم باهتمام. وبين صورة في صحيفة، وإعلان لمسرحية، وخبر عن ليلة مكتملة المقاعد، يمكن تتبع رحلة فنان لم يحمل معه الكوميديا إلى الجمهور فحسب، بل حمل أيضًا شكلًا جديدًا من المسرح، ظل حاضرًا في الذاكرة العربية لعقود طويلة.