البيزا الألبانيّة ومساعدة المسلمين لليهود أثناء المحرقة

في الوقت الّذي باشرت فيه ألمانيا النّازيّة تطبيق ما سمّته بال"حلّ النّهائي" ألا وهو إبادة اليهود، فرّ مئات اليهود من مناطق نفوذ ألمانيا نحو ألبانيا، الدولة الأوروبيّة ذات الاغلبيّة المسلمة والوحيدة الّتي أضحى عدد اليهود فيها بعد انتهاء الحرب العالميّة الثّانيّة أكثر ممّا كان عليه قبل اندلاعها بأضعاف. تعرّفوا على القصّة الكاملة هنا.

المكتبة الوطنية الإسرائيلية
29.04.2022

تحمل كارثة اليهود في القرن الماضي رغم فظاعتها الشّديدة قصصًا إنسانيّة عظيمة في طيّاتها. فرغم وحشيّة الجريمة ولامعقوليّتها، نجد أنّ بعض النّاس تحلّوا بالإنسانيّة والنُّبل الكافي لمساعدة أشخاص غرباء عنهم وتعريض أنفسهم للخطر دون أي مقابل أو رجاء، لمجرّد الوفاء والمسؤوليّة تجاه قيمة رفيعة بداخلهم، أو كما يسمّيها الألبانيّون “بيزا”.

تعني كلمة “بيزا” المتوارثة لدى الألبانيين عبر العقود “الوفاء بالوعد”، ويمكننا القول أنّها توازي مفهوم المروءة لدى العرب. فإن الإنسان الألبانيّ عليه أن يتحلّى بال”بيزا” إن كان يدعو نفسه ألبانيًّا بغضّ النّظر عن معتقده الدّينيّ. يجب أن يكون وفيًّا طيّبًا وأن يُكرم من يطرق بابه أيّا كان. وهذا ما فعله الألبانيّون لمئات اليهود الّذين فرّوا بأرواحم من ألمانيا والنّمسا وصربيا واليونان ويوغسلافيا نحو أراضي ألبانيا الجبليّة وأهلها الطيّبين.

كانت ألمانيا النّازيّة بزعامة هتلر قد أطلقت ما رأته حلّا للمشكلة اليهوديّة آنذاك، وهو إبادة اليهود تمامًا من جميع مناطق نفوذ ألمانيا بل ونفوذ حلفائها قدر الإمكان. ورغم وقوع ألبانيا تحت الاحتلال الإيطاليّ ومن ثمّ الألماني خلال الحرب العالميّة الثّانيّة إلّا أن الألبانيون استمرّوا بحماية اليهود الوافدين إليها ورفضوا تسليم قائمة بأسماء اليهود القاطنين فيها كما كان الحال في المناطق الّتي احتلّتها ألمانيا. علاوة على ذلك، قامت جهات رسميّة عديدة في ألبانيا بتزويد اليهود الألبانيّي الأصل والمقدّر عددهم ب200 في ذلك الوقت ببطاقات هويّة مزيّفة لحمايتهم من كشف هويّتهم اليهوديّة.

مقاتلون ألبانيّون في مواجهة الغزاة الألمان عام 1943
مقاتلون ألبانيّون في مواجهة الغزاة الألمان عام 1943

 

قام الألبانيّون باستضافة اليهود اللاجئين في بيوتهم القرويّة، وللحفاظ على سرّية الأمر قاموا بإلباسهم كما الفلّاحين في تلك المناطق حتّى يتمكّنوا من دمجهم في الحياة اليوميّة دون خوف، وقاموا بإيوائهم لسنوات حتّى انتقل معظم اليهود الّذين لجؤوا إلى ألبانيا، والمقدّر عددهم ب 1800، إلى البلاد بعد إعلان قيام دولة إسرائيل. فقد شكّلت ال”بيزا” قيمة وطنيّة وقوميّة لدى الألبانيّين، فكانت ضيافتهم وحمايتهم لليهود محلّا للمنافسة فيما بينهم، فمن ينقذ عدًدا أكبر من اليهود كان ألبانيّا أفضل، تزوّده مساعدته هذه بالفخر لا بالمشقّة. ولذلك، نرى أنّ الغالبيّة السّاحقة من اليهود الّذين اختاروا الحماية في ألبانيا تمّ إنقاذهم بالفعل، وأنّ عدد اليهود في ألبانيا وصل إلى 1800 نفرًا عقب نهاية الحرب العالميّة الثّانية. أي أنه تضاعف بتسع مرّات.

ما زالت العائلات اليهوديّة والألبانيّة تتذكّر تلك السّنوات الّتي طبعها الخوف والمآزرة معًا، والّتي تغلّب فيها الحسّ الإنسانيّ والأخلاقيّ على الرّعب والجريمة الّذي هيمن على معظم الأراضي الأوروبيّة حينها.

شهادة فخر تمّ منحها لبعض العائلات الألبانيّة الّتي قامت بإنقاذ يهود أثناء المحرقة. المصدر من كتاب Besa Code of Honor
شهادة فخر تمّ منحها لبعض العائلات الألبانيّة الّتي قامت بإنقاذ يهود أثناء المحرقة. المصدر من كتاب Besa Code of Honor

 

ليما بيلا، امرأة ألبانيّة مسلمة كانت تبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا حين حضر إلى قريتها سبعة عشر شخصًا يطلبون المساعدة. لم يتعرّفوا إلى ديانتهم وكانوا يتحدّثون بلغات لم يفهمها أهل قريتها حينها. إلّا أنّ أهالي القرية قاموا باقتسام اللاجئين فيما بينهم وآووهم في بيوتهم الفقيرة، حيث اقتسموا الحطب والمياه والخضروات الّتي زرعوها حول بيوتهم فيما بينهم دون طلب الأجر من الوافدين اليهود. تقول ليما أنّ حتّى الشّرطة المحلّية في ذلك الوقت كانت تعلم أنّ القرية تقوم بحماية بعض اليهود إلّا أنّهم لم يسائلوهم في الأمر. قامت ليما بحماية ثلاثة إخوة يهود من عائلة عازار لثمانية عشر شهرًا ومن ثمّ ساعدهم قريبها المحارب بالفرار نحو محطّتهم القادمة، ولم تسمع أخبار الأخوة الثّلاثة إلّا في عام 1990.

ليما بالا Besa code of honor
ليما بالا Besa code of honor

 

عائلة فيسلي المسلمة مع العائلتين اليهوديّتين جوزيف ومانديل في بيتهم في قرية كروج عام 1944. Besa code of Honor
عائلة فيسلي المسلمة مع العائلتين اليهوديّتين جوزيف ومانديل في بيتهم في قرية كروج عام 1944.
Besa code of Honor

 

من القصص المؤثّرة كذلك قصّة عائلتيّ موشيه مانديل ورفيق فيسلي، كان موشيه مصوّرًا فوتوغرافيّا بمهنته، بعد طرده من كوسوفو ووصوله إلى قرية كافاجي، فرّ من القرية مجددًا نحو مدينة تيرانا بعد غزو ألمانيا لألبانيا، ظنًا منه أن الاختباء في المدينة الكبيرة سوف يحميه من ملاحقة الألمان. هناك تعرّف على رفيق الّذي أصبح رفيقه وتلميذه في التّصوير الفوتوغرافيّ. وحين ازدادت الأمور سوءًا وأصبحت حياة موشيه وعائلته في خطر. استضاف رفيق موشيه وعائلته في بيت أهله. حيث عاشت العائلتين بمودّة وأمان. وأعادوا التّواصل فيما بينهم بعد سنوات طوال، حين أصرّ موشيه على متحف المحرقة “ياد فاشيم” أن يمنح رفيق فيسلي لقب “الأشرف من بين الأمم”.

وصفت زوجة رفيق بيتها حين سألوها عن استضافة العائلة اليهوديّة بأن بيتها هو بيت الله أوّلا، ثمّ بيت الضّيف ثانيًا، ثمّ بيت العائلة أخيرًا. وأن الإسلام يعلّمهم بأن المسلمين واليهود والمسيحيّين تحت الله الواحد.

تبقى هذه القصص جزءًا من العديد مثلها، الّتي مهما ساءت الظّروف واشتدّ الظّلم، تظلّ تبعث الأمل بإنسانيّة ممكنة.

...تحميل المزيد من المقالات loading_anomation