نزاع بين عائلتيّ قدورة والنحوي في صفد!

تعرّفوا على قصّة الشّيخ أسعد أفندي وعلي بك رضا النّحوي من خلال أخبار الصحف الفلسطينية في أرشيف جرايد.

تعرّفوا على قصّة الشّيخ أسعد أفندي وعلي بك رضا النّحوي
الجزء الأوّل

 

تحظى القصص العائليّة والبنى الاجتماعيّة للفلسطينيّين في عهد الانتداب البريطانيّ باهتمامٍ واسعٍ في السّنوات الأخيرة، ما زال يكشف لنا شيئًا فشيئًا تفاصيل تعمّق من فهمنا لما حدث في هذه المرحلة الانتقاليّة من حياة الفلسطينييّن. ومن المصادر الّتي توفّر لنا معرفة من هذا النّوع، إلى جانب التأريخ العائليّ والوثائق المؤرشفة، هي أرشيفات الصّحف الفلسطينيّة المختلفة، إذ تناولت الصّحافة الفلسطينيّة أخبار الحياة اليوميّة لسكّان المدن والقرى الفلسطينيّة كافّة، من حفلات الزّفاف والتّبريكات والوفيّات والمسابقات الرّياضيّة وحتّى المظاهرات أو الاشتباكات ضد حكومة الانتداب والاستيطان اليهوديّ.

في هذه المقالة، نستعرض لكم خلفيّة قصة نزاع بين عائلتين من العائلات الفلسطينيّة الكبرى في مدينة صفد خلال فترة الانتداب البريطاني، عائلتيّ قدّورة والنّحوي. إذ بدأنا بتتبّع هذه القصّة المبعثرة من خبرٍ مبهم ورد في صحيفة اللّواء في تاريخ 31 من كانون الثّاني عام 1936، مفاده بأن الخلاف الّذي بدأ بين هاتين العائلتين حول انتخابات البلديّة لم ينته بعد، بل تحوّل إلى نزاع ما زال يكبر، حتّى أن أهالي صفد وعكّا يطالبون مفتي البلاد (الحاج أمين الحسيني) بالتّدخّل من أجل إنهاء الأزمة!

رغم أنّ السبب الّذي يقترحه علينا النّص يبدو بديهيًا ومفهومًا، ألا أنّ القليل من البحث حول الأسماء الّتي وردت في الخبر يكشف لنا عن خلاف أوسع من مجرّد نزاع حول تسلّم سلطة محليّة. بل هو لربّما، مرآة صغيرة لصراعات ظهرت في صفوف الحركة الفلسطينيّة الوطنيّة في عصر الإنتداب، صراعات اتّخذت طابعًا عائليّا إلا أنها حملت في طيّاتها اختلافًا في الرؤى والممارسة الوطنيّة من جهة والصراع على النّفوذ والطّموح الفردي من جهة أخرى.

صحيفة اللّواء: 31  كانون الثّاني  1936
صحيفة اللّواء: 31  كانون الثّاني  1936

في نصّ الخبر، ورد اسمان: الشّيخ أسعد أفندي قدّورة؛ مفتي المدينة سابقًا وقاضيها في فترة الانتداب، وعلي رضا بك النّحوي؛ مأمور أوقاف شمال عكّا. وإنّ تتبّع الأخبار حول هذين الاسمين في الصّحف المتنوّعة كفيل بأن يظهر لنا شيء من طبيعة الاختلاف في توجّهات كلّ منهما كشخصيّتين من وجاهات المدينة منذ أواخر العهد العثمانيّ. إلّا أن مقالتين على وجه التّحديد ضمن سلسلة “في المرآة” في صحيفة مرآة الشّرق عام 1927 تعرضان سيرة كلّ من الرّجلين بشيء من النّقد والمديح، وقد نشرت المقالتين خلال شهرين متتاليين، مما يثير فضولنا أكثر حول هذا النّزاع العائليّ وتاريخه الممتدّ لأكثر من عشر سنوات. فمن هو الشّيخ أسعد أفندي؟ ومن هو علي رضا بك؟

قدّمت صحيفة مرآة الشّرق العشرات من المقالات الّتي عرّفت بالوجاهات الدّينيّة والشّخصيّات البارزة في الحلبة السّياسيّة الفلسطينيّة، فكانت سلسلة “في المرآة” مرجع اتأكت عليه العديد من الأبحاث في التّاريخ الفلسطيني والّتي وجدت في هذه المقالات معلومات أساسيّة حول أسماء وردت في سجلات وأوراق هامّة لكّننا لا نعرف عنها الكثير.

 

مرﺁة الشرق: 24 تشرين الثاني 1927
مرﺁة الشرق: 24 تشرين الثاني 1927

فهكذا مثلًا، اعتمد مصطفى العبّاسي في جزء كبير من تعريفه بفترة نفوذ الشّيخ أسعد أفندي في صفد على مقالة “في المرآة” حول الشّيخ أسعد أفندي عام 1927. إذ يتناول المقال سيرة الشّيخ ودراسته في الأزهر ومن ثمّ استلامه منصب مفتي صفد. ثم لا يتوانى كاتب المقال عن إبداء نقده بين السّطور في عدّة مواضعٍ، فيمدح به ويوقّره من جهة ومن ثمّ يعود لينتقده من جهة أخرى. فمثلًا، يصف حنكته الاجتماعيّة وتصرّفاته بين النّاس، “يدخّن كثيرًا ويشرب القهوة السّادة ويقول “القهوة السّادة للسّادة”، يستضيف أصدقائه ويتفقّد القربى ويستعرض الجماعات وقد يكثر الزّيارات ليلاحظ النّعرات الحزبيّة ويدرس القوم، ومن ثمّ يتحدّث عن انخراطه في الحركة الوطنيّة ويثني على قوميّته ودفعه وبذله أمواله في سبيلها، إلا أنه يعود ويذكّر بأنّه لم يقطع علاقته بالحكومة الانتدابيّة، ثم يلتمس له الأعذار. وهكذا طيلة المقال، يصفه بالشّجاعة والكرم تارة، وضعف العزيمة والإصرار على التربع في منصبه تارة أخرى. ويذكر المقال حنكة الشّيخ في التّعامل مع خصومه، إلا أنه لا يتطرّق لتلك الخصومات أو يتّخذ منها موقفًا.

في الشّهر التّالي، تقوم مرآة الشّرق بنشر مقالة من ذات السّلسلة “في المرآة” عن علي رضا بك النّحوي، سليل العائلة العلميّة منذ القدم في صفد، والّذي كان يعمل متصرّفًا في إربد، إلا أنه سئم الوظائف وقرّر أن يكون مدرّسًا للتعاليم الدّينيّة، كتبت هذه المقالة بأسلوب يختلف تمامًا عن تلك الأولى، إذ يعرض كاتبها جميع التفاصيل حول شخصيّة على بك رضا من خلال سرد تفاصيل لقائه بشخص غريب في مقهى فندق في القدس كأنه يحكي قصّة بأسلوب أدبيّ ماهر، إلا أنه من خلال هذه القصّة يلمّح لقضايا معيّنة ويحاول إيصال شكوى النّحوي حول عدم حصوله على وظيفة في حكومة الانتداب، وأن مثله لا يستطيع أن يحصل على الوساطة المناسبة، وأن هذه المناصب لا يحصل عليها إلا من كان متصلًّا بجمعيّة الشّبان المسيحيّين، وهي جهة منتقدة من قبل الوجاهات الدّينيّة والوطنيّة الفلسطينيّة.

 

مرﺁة الشرق: 8 كانون الأوّل 1927
مرﺁة الشرق: 8 كانون الأوّل 1927

نفهم من هاتين المقالتين أن في عام 1927 تمتّع الشّيخ أسعد قدورة بنفوذٍ أكبر في صفد كما بعلاقة أفضل مع حكومة الانتداب، خاصّة وأن المقالة ذكرت أن الشّيخ لا يغادر بلده إلا للضرورة القصوى، خوفًا على مكانته ومنصبه من المنافسين. في حين أن على بك رضا كان يعمل في شرق الأردن لسنوات، وكان قد عاد مجددًا إلى صفد كمعلّم دين بغير منصب ذو نفوذ. فما الّذي تغيّر حتّى عام 1936؟ وهل تنافس الرّجلان على انتخابات البلديّة؟ ولماذا استنجد أهالي صفد بمفتي البلاد لحلّ النّزاع بين العائلتين؟

ترقّبوا الجزء الثّاني!

 

وادي الحوارث – أندلس القرن العشرين

يعتبر وادي الحوارث فاجعة الفلسطينيين الأولى؛ إذ تعكس الصحف الفلسطينية التاريخية ردة فعل الناس عقب أحداث طرد السكان العرب من هناك.

هديل عبد الحي عنبوسي

وادي الحوارث سهل منبسط فسيح، مترامي الأطراف، ويشكّل قسمًا كبيرًا من السّاحل الغربي في سورية الجنوبيّة في قضاء طولكرم سابقُا. جيّد التّربة والهواء، مساحته لا تقل عن خمسين ألف دونم، إذ يعتبر من السهول الكبيرة، ولا يعدّ وادي الحوارث واديًا بين جبلين كما يتبادر إلى الذّهن من كلمة “وادي”، بل هو السهل الساحلي الذي يقل عن نظيره من السهول ليس في البلاد فحسب، إنّما في خير الأرضين والبقاع في العالم.

وقد سُمّي بسهل وادي الحوارث نسبة إلى اسم أهل الوادي؛ عرب الحوارث، وهم قبائل ينتمون بمعظمهم إلى بني حارثة، وأصلهم من نجد، جاؤوا من سوريا ونزلوا حماة، ومن حماة نزحوا إلى فلسطين. يتكونّ وادي الحوارث من قسمين: شرقيّ وغربيّ، في القسم الشرقي يتكوّن من وادي القبّاني، ومنطقة لاستثمار الحكومة، بينما في القسم الغربي، يوجد وادي التيان، أرض السمارة، ورمال.

 

قضيّة وادي الحوارث

بدأت هجرة عرب الحوارث من واديهم قبل العام 1948، وتحديدًا في العام 1928 بحسب مقالات الصحف الفلسطينية في أرشيف جرايد. لذا، يمكن القول إن هجرة عرب الحوارث هي التهجير الفعلي الأول. وفقًا للمصادر، طُرد فلاحو الحوارث من أراضيهم بلا مأوى وبلا معيشة على يد مسؤولين بريطانيين ويهود، رغم مقاومتهم ومحاولات البقاء والصّمود في أراضيهم قدر المستطاع، بيد أنّ بساطتهم وقلّة الإمكانيّات جعلتهم مُشرّدين وبلا ملاذ.

وادي الحوارث وعائلة سرقس وانفجار بيروت

ما يُميّز حكاية وادي الحوارث أنّها من أولى الفاجعات الفلسطينية، نسبيًّا حدثت قديمًا، فكيف لها أن ترتبط مع حدثٍ معاصر كانفجار بيروت والذي وقع في آب من العام 2020؟!

السّر عند الليدي إيفون سرقس..

الليدي سرقس هي سيدة لبنانيّة مسيحيّة من عائلة أرستقراطيّة معروفة وفاحشة الثّراء والأملاك. والدها ألفرد موسى سرقس ابن عائلة مالكة الأراضي الكُبرى في الوطن العربي، وأمّها الدونا ماريا دي كاسنو وهي من عائلة إيطاليّة من سلالة عائلة الفيفيور. وقد ورثت الليدي عن عائلتها مئات آلاف الدونمات لأراضٍ في منطقة مرج ابن عامر، الجليل الغربي، وادي الحوارث، حيفا ويافا.

في انفجار بيروت، كانت الليدي سرقس إحدى الضحايا، فقصرها العائلي المُنيف، والذي قطنت فيه في آخر سنوات حياتها، يقع في حيّ الأشرفيّة في بيروت، وقد لحقت به أضرارًا جسيمة، وعانت الليدي في المستشفى لمدة 27 يوم بعد إصابتها في الانفجار حتى وافتها المنيّة في 31 آب 2020 عن عمر يُناهز 98 عام.

كانت معظم أراضي وادي الحوارث تحت سيطرة عائلة سرقس حيث كانت تمتلك 30 ألف دونم من أصل 50 ألف، وقد بيعت مساحة العائلة من الوادي للحركات الصهيونية بينما تبقّى بحيازة الفلسطينيين 20 ألف دونم، ولا نعلم كيف تمّ التصرف بها، والاحتمال الأكبر هو أن يكون عن طريق السماسرة الذين عاونوا الحركات الصهيونيّة وسهلّوا لهم بيع الأراضي، حيث لم يكن لفلاحي عرب الحوارث والسكان الأصليين للوادي أي سلطة في تسليم الأراضي أو بيعها.

بالإضافة إلى ما سبق، يجب تسليط الضوء على قانون أملاك الغائبين والذي سُنّ في العام 1950، وينصّ بموجبه “أنّ كل من هُجّر أو نزح خارج الحدود الفلسطينيّة حتى تاريخ تشرين الثاني من العام 1947 يعتبر إما غائبًا أو مفقودًا”، وبهذا التعريف، فإنّ الحكومة مخوّلة في السيطرة على أملاك هؤلاء الغائبين (كريتشمر 2012: 75). ومن شروط حالات الغائب والتي وقعت على الليدي سرقس هي حالة حيازة أملاك في فلسطين الانتدابية، ولكن مالكها مواطن في البلاد العربية أو بلاد العدوّ، أو يسكن في فلسطين (شرق القدس والضفة الغربية).

للصحف الفلسطينية كلمة…

عكست الصحف الفلسطينية القديمة وبيّنت ردة فعل عامة الناس حول ما يحدث في وادي الحوارث، كذلك قامت العديد من الصحف بكتابة أخبار ومقالات رأي حول هذه الفاجعة.

على سبيل المثال، ورد في صحيفة فلسطين في 20 تشرين الثاني 1929 وتحديدًا في الصفحة الثالثة التالي:

“ذهب اليوم مأمور الإجراء مع قوة من البوليس البريطاني والفلسطيني وستة من اليهود لإخلاء عرب وادي الحوارث البالغ عددهم ألفي نسمة من أراضيهم وتبلغ مساحتها 35 ألف دونم وتسليمها لليهود رغم القضايا العديدة التي أقاموها في تثبيت ملكيتهم لقسم كبير من هذه الأراضي. ولما كان رئيس المحكمة المركزية في نابلس أصدر أمرا بتأجيل المحاكمة عاد اليهود واستحصلوا على أمر بإخراجهم من أراضيهم بعد أن قدّموا كفالة ماليّة. إنّ عرب وادي الحوارث مصممون على عدم الخروج من أراضيهم التي عاشوا فيها منذ مئات السنين وليس لهم أي محل آخر يلجؤون إليه أو يعيشون منه ولذلك فالأفكار عندنا مضطربة لهذا الأمر. وقد علمنا أن مثل هذا الخبر قد أرسل للجمعية الإسلاميّة المسيحيّة لتقابل سعادة حاكم اللواء وتحتج لديه على هذا العمل!”

وقد خبّرت ذات الصحيفة بعد ثلاثة أيام، في يوم 23 تشرين الثاني 1929، أنّه قد “جاء 200 يهودي اليوم (الجمعة) للمرة الثانية من مستعمرة الخضيرة إلى وادي الحوارث ليحرثوا الأرض فيه فتجمهر عليهم العرب وأخرجوهم بضرب العصي ووقف نحو 1000 عربي على الحدود ليمنعوا دخول اليهود إلى أراضيهم بعد الآن”

بالإضافة إلى صحف أخرى مثل اليرموك، الحياة والجامعة العربية.

 

الجامعة العربية: 11 تشرين الأوّل 1928
الجامعة العربية: 11 تشرين الأوّل 1928

 

 

الحياة: 16 آذار 1931
الحياة: 16 آذار 1931

 

اليرموك: 14 أيلول 1928
اليرموك: 14 أيلول 1928

 

في الختام، تكرر مصطلح “الأندلس” في الصحف الفلسطينيّة، إذ شُبّهِت فلسطين بالأندلس، فمنهم من ذكر “وغدت فلسطين أندلسًا أُخرى“، “أندلس القرن العشرين“. ونرى أنّ عرب الحوارث كغيرهم، كانوا من “الغائبين الحاضرين” إن صحّ التعبير، فهم موجودون في أرضهم جسدًا وروحًا، لكنّه تم السيطرة على أراضيهم قمعًا وقسرًا.

 

نبذة حول هديل عبد الحي عنبوسي طالبة دراسات شرق أوسط وعلم آثار في جامعة بن غوريون في النقب. مهتمّة بدراسة القضايا الفلسطينية وتاريخ البلاد وآثاراتها من مختلف الفترات الزمنية توازيا مع تاريخ الإسلام في الشمال الافريقي وبلاد الأندلس.

 

الشّركس في البلاد: من جبال القوقاز حتّى الجليل

الشّركس أو الأديغة كما يسمّون أنفسهم شعب تعود أصوله إلى شمال غرب القوقاز، ما بين روسيا وتركيا وإيران. تعرّفوا على الشعب الشركسي عن قرب.

شركس في كفر كما

بقلم: شير برام

كلّ من تعلّم في جهاز التّربية الإسرائيليّ تعوّد على إحياء أيام للذّكرى الوطنيّة، يوم تذكّر ضحايا المحرقة ويوم تذكّر قتلى الجيش الإسرائيلي، يوم ذكرى إسحاق رابين وغيرهم. إلّا أنّ مدرستيّ كادوري وساسا في الجليل تحتفيان بإحياء ذكرى إضافيّة: ذكرى مجزرة الشّعب الشّركسي وتهجيره من موطنه. وهما المدرستين اللّتان تقدّما الخدمات إلى أبناء قريتيّ كفر كما والرّيحانيّة في الجليل، حيث يقطن معظم الشّركس في البلاد. الشّركس أقليّة فريدة ذات خصائص مميّزة في البلاد، ويحمل أبناؤها تاريخ هام على الصّعيد المحلّي والعالميّ.

من جبال القوقاز إلى شمال البلاد: عن إجلاء الشّركس

الشّركس أو الأديغة كما يسمّون أنفسهم شعب تعود أصوله إلى شمال غرب القوقاز، شرقًا من شواطئ البحر الأسود، ما بين روسيا وتركيا وإيران. عاشوا في أراضيهم بحريّة نسبيًا دون الحاجة إلى إقامة “دولة”، وعادة ما يتمّ التعريف عنهم كشعب مكوّن من إثني عشر قبيلة (على أنه في الواقع هناك المزيد من القبائل الشّركسيّة). رأى عموم الشّركس أنفسهم كشعب واحد منذ نهاية القرن الثّامن عشر. حاولت روسيا الاستيلاء على منطقة القوقاز بهدف توطين فئات أخرى إلا أنّ مقاومة الشّركس للاحتلال الرّوسي استمرّت مائة عام حتّى قام الرّوس في نهاية المطاف بعمليّة تطهير عرقيّ للشّركس في المراحل النّهائيّة من حرب 1854-1860، حيث أحرقوا مئات القرى وارتكبوا المجازر، وتهجّر من نجا من القوقاز، فوجد مليون منهم ملجأ في أراضي الدّولة العثمانيّة ومن بينها فلسطين.

 القوقاز، موطن الشركس
القوقاز، موطن الشركس

تكوّن حينها ثلاثة تجمّعات سكّانيّة للشركس في البلاد وبقي منها اثنان: قرية كفر كما الّتي أعادوا تأسيسها في الجليل الأوسط بين مدينتيّ النّاصرة وطبريا وقرية الرّيحانيّة في الجليل الأعلى شمال صفد. تأسست “القرية القديمة” في كفر كما تحت كنف الحكم العثمانيّ عام 1878، كانت القرى الشّركسيّة في القوقاز تُبنى على مساحات شاسعة، اختار الشركس بناء ما يسمّى بـ “قرية الجدار” حيث تصطفّ البيوت إلى جانب بعضهها البعض لتشكّل سور يحيط الأماكن العامّة للقرية بدافع الأمن والحماية، وتعتبر قرية كفركما من الأمثلة المدهشة للعمارة المحلّية النّاجية من نهاية القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين.

اقرأ/ي أيضًا: الشركس: صور وأخبار من البلاد في المكتبة الوطنية

كان الشّركس من مصدّري الحداثة في كلّ مكان وصلوا إليه. بالإضافة للجليل، أقاموا ثلاثة عشر تجمّعا سكنيًّا في هضبة الجولان، كما أقاموا في الأردن وأنشأوا مدينة عمّان المعاصرة. لقد قدّم الشّركس إلى المنطقة تقنيّات بناء لم تكن معروفة بها، بالإضافة إلى الحرف وصناعة الخشب والفلز، ونمط البناء والحياة الأوروبيّة، فتحوّلت كفر كما إلى مركز هام في المنطقة في نهاية الحكم العثمانيّ وخلال فترة الانتداب، وأقيمت في مركز القرية القديمة محطّة قمح حديثة؟ حيث التقى جميع سكّان القريّة من فلّاحين عرب، بدو، يهود وشركس. في حرب عام 1948 اختار الشّركس أن يقاتلوا إلى جانب اليهود، ومنذ ذلك الحين يتجنّد الشّركس في الخدمة الإجباريّة في الجيش الإسرائيليّ.

رجال من الشركس في كفر كما في سنوات السّتينيّات، أرشيف بوريس كارمي
رجال من الشركس في كفر كما في سنوات السّتينيّات، أرشيف بوريس كارمي

الشّركس شعب وليسوا “طائفة” كما يخطئ البعض في تسميتهم وهم أقليّة قوميّة في إسرائيل، علاقتهم وطيدة ببعضهم البعض في البلاد وخارجها ولا ينسون للحظة حلمهم بالعودة إلى موطنهم الأصلي. إلا أنهم في الوقت نفسه إسرائيليون ويندمجون في كل مجالات الحياة في البلاد. ورغم عددهم القليل في البلاد (قرابة 5000 إنسان من بين ملايين الشّركس في المنفى)، إلا أن الجالية الشركسيّة في البلاد سبّاقة في حفظ التّراث الشّركسي الواسع، ويعتبر يوم 21 من مايو من كلّ عام يوم ذكرى مجزرة الشّعب الشّركسي وتهجيره، والأهم هو حفظم للغتهم الأصليّة “الأديغيّة”. وهي لغة محكيّة فقط بالأصل إلا أنها تحوّلت إلى الكتابة الحرفيّة فقط في القرن التّاسع عشر (على أنه كان للشّركس كتابة رمزيّة في الماضي بقيت اليوم في رموز العائلات المختلفة)، حيث تُدرّس في المدارس الابتدائية والإعداديّة الّتي يدرس بها الشّركس. يتعلّم كلّ طفل شركسي العبريّة والإنجليزيّة والأديغيّة والعربيّة، وهناك من يدرسون الرّوسيّة والتّركيّة أيضًا. المدارس في قريتيّ كفركما والرّيحانيّة هي المدارس الوحيدة في العالم الّتي يدرس بها طلّاب مسلمون بالعبريّة كلغة أساسية.

طلّاب مدرسة في كفر كما في يوم العلم الشّركسي، تصوير حن بيرام
طلّاب مدرسة في كفر كما في يوم العلم الشّركسي، تصوير حن بيرام

الـ “أديغة خابزة” والتّعاليم الشّركسيّة: كانوا وما زالوا قوم أشدّاء

معظم الشّركس من المسلمين السّنة. اعتنقوا الإسلام في مرحلة متأخرة نسبيّا وقبل ذلك اعتنقوا المسيحيّة ومن قبلها الوثنيّة. وبالرّغم من ذلك، فإن كانوا مسلمين أو مسيحيّين، يتشارك جميع الشّراكسة في منظومة من القواعد والقوانين الخاصّة بهم والتّي توجّه تصرّفاتهم ونمط حياتهم وتسمّى “خابزة”. تعلّم الخابزة الإنسان الشّركسي كيف يتصرّف في حياته اليوميّة، كيف يربّي أبناءه على القيم والأخلاق الشّركسيّة. كما للأديغيين ميثولوجيا شعبيّة خاصّة بهم ما زالوا يورّثونها من جيلٍ إلى جيل، وبها أبطال تراثيون وقصص شعبية بشخصيّات محفورة في الوجدان الشّركسي.

رجل في اللباس الشركسيّ التّراثي في قرية كما سنوات السّبعينيّات، ارشيف بوريس كارمي
رجل في اللباس الشركسيّ التّراثي في قرية كما سنوات السّبعينيّات، ارشيف بوريس كارمي

يُقصد بالعبارة “أديغة خابزة” الطريقة الّتي ينبغي على الشّركسيّ أن يتصرّف بها. والإصرار على حفظ هذه الطريقة للعيش أمر هام جدًا، ومن لا يحترمها ويقيمها فمصيره الـ “حيناف” أي العار. توجّه الخابزة التّربية والقواعد الاجتماعيّة وكيفيّة الاحترام، الزّواج والطقوس والحياة اليوميّة. يفضّل معظم الشّركس التزاوج مع شركسيين فقط من أجل حفظ التراث الشركسيّ والهويّة. إلى جانب هذا، يحافظ الشّركس على إحياء تقاليدهم في الرّقص والموسيقى التّراثيّة. وتستخدم في الرّقصات الشركسيّة الألبسة التّراثيّة ومنها الـ “شركسكه”: حلّة المحارب وفي واجهتها مكان مخصّص للرّصاصات وهو لباس استخدم كذلك لدى شعوب أخرى في القوقاز.

طفل من قرية كفر كما في سنوات السّبعينيّات، يرتدي حلّة "شركسكه" التّراثيّة وعلى خصره خنجر شركسيّ
طفل من قرية كفر كما في سنوات السّبعينيّات، يرتدي حلّة “شركسكه” التّراثيّة وعلى خصره خنجر شركسيّ

اندمج الشّركس في المجتمع الإسرائيليّ في طرقٍ عدّة. في الماضي اعتاد الكثيرون منهم العمل في قوات الأمن حتى بعد انتهاء الخدمة الإجباريّة. ويعمل الكثيرون في شتّى المجالات من العلوم والبحث حتّى التعليم والصّناعة. يخرج الكثيرون للتّعلم في الجامعات إلا أنّ معظمهم يفضّل العودة للعيش في قراهم من أجل الحفاظ على الهويّة القوميّة والتّراثيّة كما يشتركون في الرّياضة: كابتن فريق كرة القدم الإسرائيليّة بيبرس ناتخو شركسيّ من كفر كما: وقريبته نيلي ناتخو الراحلة كانت لاعبة كرة سلّة واعدة وقياديّة. تتميّز الأقليّة الشركسيّة في إسرائيل بنسبة تعليم أكاديمي عالية، وفي السّنوات الأخيرة يتم تطوير مسار دراسي خاصّ حول الشّركس في البلاد.

كفر كما: مشهد ثقافي استثنائي في البلاد

الرّقص الشركسي من مركز التّراث في كفر كما، تصوير شير أهارون برام
الرّقص الشركسي من مركز التّراث في كفر كما، تصوير شير أهارون برام

بُنيت قرية كفر كما على آثار قرية بيزنطيّة قديمة، وبني مسجدها البازلتيّ بإلهام من نمط معماريّ ساد في البلاد في فترة أخرى من التّاريخ كان الشّركس حاضرون بها وهي فترة حكم المماليك، إذ كان الشركس إحدى المجموعات العرقيّة الّتي حكمت الدّولة المملوكيّة بالإضافة للأتراك والكرد والأرمن.

اقرأ/ي أيضًا: حضارة وثقافات: طوائف وجماعات وشعوب شكلوا طابع البلاد الفسيفسائي

عند زيارة البلدة القديمة في كفر كما يُنصح بالانتباه للتّفاصيل، لنمط عمارة البيوت، والتّحدث مع المحليّين المضيافين. كما يُنصح بتذوّق مأكولات المطبخ الشّركسيّ المميّزة والّتي يمكن اقتناؤها في القرية، ومنها الجبنة الشّركسيّة الشّهيرة والمخبوزات المحليّة. يعمل في كفر كما اليوم مركزًا تراثيًا للشّركس وإلى جانبه متحف يعرضان قصّة حفظ الشّركس لتاريخهم وهويّتهم.

صعود وسقوط سينما ريكس

ارتاد دار السينما هذه سكان القدس: يهود، عرب وجنود بريطانيون، لماذا إذًا أضرمت فيها النار مرتين؟

شير برام
אֲנִי זוֹכֵר קוֹלְנוֹעַ רֶקְס בְּיוֹמִיּוֹת

וּמֵרָחוֹק פַּעֲמוֹנִים שֶׁל כְּנֵסִיּוֹת

من أغنية يوسي بناي: “أنا وسيمون ومويز الصغير”

يعتبر شارع شلومتسيون هملكا اليوم محورًا مركزيًا في الطريق إلى جادة آلروف ماميلا ومتاجرها الفاخرة. في نهايات الأسبوع والأعياد، يمرّ العديد من الإسرائيليين عبر الشارع، يجلسون في المقاهي ويتابعون طريقهم نحو الجادة. قبل 80 عامًا، كان هذا الشارع أحد الشوارع المركزية للانتداب البريطاني في القدس. كان يرتاده العرب واليهود على حد سواء، مرتدين ملابس فاخرة ومتماشية مع أحدث خطوط الموضة، للجلوس في المقاهي- وخاصةً لمشاهدة العروض اليومية في سينما “ريكس” التي كانت واقعة عند أسفل الشارع.

“كيف كان الفيلم؟”، كثيرًا ما كان يتردد السؤال. “الفيلم ليس مميزًا، ولكن الشجار بعد الفيلم كان ممتعًا”.  هكذا يصف إلياهو نافي،  الراوي المقدسي الشهير، الزيارات إلى دار سينما “ريكس” في شارع “الأميرة ماري” في القدس الانتدابية- كما سميت في حينه. يصف نافي كيف نشب في نهاية فيلم من بطولة عبد الوهاب، الموسيقار العربي، وليلى مراد، اليهودية، شجار عنيف بين اليهود والعرب حول الصراع بين الشخصيات في الفيلم.

إعلان لفيلم في سينما ريكس. كانون الثاني، 1941. مجموعة الإعلانات، المكتبة الوطنية الإسرائيلية

 

هُدمت سينما ريكس منذ فترة طويلة، وتحوّل شارع الأميرة ماري إلى شارع شلومتسيون هملكا، ولكن المطّلعين على أدق تفاصيل تلك الفترة يتذكرون العروض اليومية في دار السينما الفخمة في ماميلا، التي لم يبق لها أثر. مع أنّ نافي يتذكر جيدًا الشجارات العنيفة بعد العروض، إلّا أنّ العنف لم يتوقف عند هذا الحد، وبعد اعتدائيّ إيتسل على المكان- ويسميهما البعض عمليات تخريبية- فإنّ دار السينما الفخمة، والتي كانت تتسع لـ 1,300 شخص، هُدمت وهُجرت. أقيم على أنقاضها المركز التجاري “هآحيم يسرائيل”، والذي لا يزال قائمًا حتى الآن.

كانت سينما ريكس مَعلمًا بارزًا في المشهد الطبيعي المقدسي في فترة الانتداب البريطاني. وبينما كانت سائر دور السينما التي نشطت في تلك الفترة- تسيون، أديسون وعيدن- بملكية يهودية، أقيمت سينما ريكس على يد رجل أعمال عربي-مسيحي يُدعى جوزيف باسكال ألبينا. تعاون ألبينا مع العديد من اليهود في مشاريع مختلفة، أحيانًا خلافًا لموقف اللجنة العربية العليا. كان ألبينا يملك شركة إنتاج سينمائي تدعى “أفلام النيل”، من جملة ممتلكات أخرى، وأقام سينما ريكس لعرض أفلامه هو أيضًا. المقاول الذي اختير لبناء دار السينما كان اليهودي يونا فريدمان، وبعد إنهاء المشروع، اكتشف ألبينا أنّه كان ينقصه مبلغ مالي وجب عليه دفعه لفريدمان، فاقترح عليها بدلًا من ذلك الدخول معه كشريك في السينما. في 6 حزيران 1938، افتتحت سينما ريكس (“ملك” باللاتينية)، وعرضت فيها أفلام عربية- مصرية أساسًا- بالإضافة إلى أفلام الغرب الأمريكي وأعمال أوروبية. غالبية الجمهور كان من العرب المقدسيين ورجال الإدارة البريطانيين، ولكن بعض اليهود ارتادوا المكان أيضًا.

 

سينما ريكس، مطلع الأربعينات. تصوير: بيكي ويكي إسرائيل

العملية التخريبية الأولى

في أيار 1939، بعد أقل من مرور عام على افتتاح سينما ريكس، أصدرت حكومة الانتداب البريطاني “الكتاب الأبيض”، حيث أعلن عن فرض قيود على هجرة اليهود إلى فلسطين. اعتبر ذلك هجومًا مباشرًا على اليشوف اليهودي في إسرائيل، وردًا على ذلك، نفّذت منظمة إيتسل عملية تخريبية.   يفيد ييشكا إلياف،  قائد العمليات في منظمة إيتسل، ومن ثم قائد منظمة ليحي، في مذكراته بأنّ سينما ريكس اختيرت لكونها “واقعة ضمن المنطقة التابعة لمؤسسات السلطات البريطانية (…) وبفضل موقعها ومبناها العصري، جذبت دار السينما قادة سلطات الانتداب، ونخبة المجتمع العربي.   استهدفت عملية دار السينما قادة السلطات العسكرية، المدنية والشرطوية، والجمهور الذي يضم القيادة الجماهيرية العربية وداعمي العصابات”. لقّب البريطانيون ييشكا بـ “الإرهابي ذي العيون المخملية”.

صحيفة “هبوكير” تعلن عن التفجيرات في سينما ريكس. 30 أيار، 1939

 

في 29 أيار، اقتحم رجال الـ “إيتسل” دار السينما أثناء عرض فيلم “طرزان”، فخّخوها بمعطف مليء بالمتفجرات والعبوات الناسفة المخبأة في علب الحلوى، وغادروا المكان. في تمام الساعة 20:30، عندما زأر الأسد الشهير لشركة الإنتاج السينمائي غولدن-ماير معلنًا عن بدء الفيلم، انفجرت العبوات الناسفة وفقًا للمخطط. هرع الجمهور الفَزِع خارج الصالة، ليصطدموا برجال الإيتسل الذين كانوا ينتظرونهم بجوار المقبرة الإسلامية في ماميلا، حيث نصبوا لهم فخًا وأطلقوا النار على الفارين. قُتل 5 أشخاص، جميعهم عرب، وأصيب 18 آخرون: ستة بريطانيين، عشرة عرب ويهوديان. لحق بالمكان ضرر جسيم، بعد أن احترق، وأصبح الاعتداء حديث الصباح والمساء في المدينة. في أعقاب الاعتداء على دار السينما، أصدر القائد العسكري البريطاني في القدس أمرًا بإغلاق جميع دور السينما في القدس، بالإضافة إلى مؤسسات ثقافية أخرى. وبينما استمرت منظمة الإيتسل في استهداف مواقع أخرى في المدينة، وقفت سينما ريكس على حافة الانهيار، ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية ساهم في تجديد نشاطها. حضر إلى المدينة عدد كبير من العساكر البريطانيين الذين احتاجوا مجددًا لدار سينما ناطقة بالإنجليزية. سارع أصحاب المكان لترميمه، وعادت سينما ريكس إلى قمة نشاطها.

اقرأ/ي أيضًا:  فلسطينيون في الحرب العالمية الثانية في صفوف بريطانيا

سنوات النشوة وانتهائها

طوال أربعينيات القرن الماضي، شكلت سينما ريكس ملتقى للعرب، اليهود والبريطانيين في القدس. خلافَا لما جاء في مذكرات رجال منظمة إيتسل، والذين أفادوا بأنّ دار السينما لم تكن وجهةً لسكان المدينة اليهود، يبدو أنّ العديد من اليهود ارتادوا المكان. إعلانات الأفلام صدرت باللغة العبرية في صحف يهودية، إلى جانب التهاني بالسنة العبرية الجديدة، وفي عام 1946، وعلى إثر الشائعات بأنّ الشركاء اليهود غادروا دار السينما، خرجت الإدارة في بيان يوضح عدم صحة هذه الإشاعة.

إعلان لفيلم في سينما ريكس. أيار 1940. مجموعة الإعلانات، المكتبة الوطنية الإسرائيلية

 

كان شارع الأميرة ماري أحد الشوارع الأكثر عصرية وكوزموبوليتانية في فترة الانتداب، وكانت “ريكس” دار السينما الوحيدة في مركز المدينة التي تفتح أبوابها يوم السبت. نشطت في الطابق العلوي للمبنى دار سينما إضافية تدعي “استوديو”. في مقالته التي نشرت في صحيفة “عال هميشمار “ ، يصف غابريئيل شطيرن الأجواء التي كانت سائدة في القدس في الأربعينات، وللمفارقة، كتب شطيرن أن سنوات الحرب شهدت تقاربًا بين الشعبين، واعتبرت فترة سلام نسبي. موقع دار السينما جعل منها ملتقى مباشرًا للشرائح المجتمعية المختلفة. في الفترة الفاصلة بين صدور الكتاب الأبيض واندلاع حرب الاستقلال في عام 1947، كان اليهود يشعرون بالراحة في المكان، خاصة عشية السبت والأعياد.   استحضر يستحضر يوسي بناي، في أغنية له عن هذه الفترة، العروض اليومية في دار السينما والتي كان يحضرها مع الأخوين سيمون ومويز. العروض الصباحية كانت أقل تكلفة من العروض المسائية… واستمرت حالة النشوة في سينما ريكس، حتى عشية 29 تشرين الثاني 1947.

بعد الإعلان الصادر عن الأمم المتحدة، واحتجاجًا على قرار التقسيم، بادرت اللجنة العربية العليا لإضراب لثلاثة أيام في الشارع العربي. كانت الأجواء في الشارع العربي في القدس عاصفة ومتوترة، مما أدى في نهاية المطاف إلى انفجار. في صباح الثاني من كانون الأول 1947، هاجم حشدٌ من العرب المركز التجاري في ماميلا، حيث كان غالبية المتاجر تابعة لليهود. القوات البريطانية التي وجب عليها حماية المكان كانت منشغلة في ملاحقة قوات الحراسة المركّزة المكونة من أعضاء “الهاغاناه”، وقام مثيرو الشعب، وهم يحملون العصي، الفؤوس والسكاكين، بإضرام النار في المركز التجاري والاعتداء على التجار. ردًا على ذلك، اعتدى رجال الإيتسل مجددًا على سينما ريكس، وهذه المرة، أضرموا فيها النار. خلافًا للعملية التخريبية الأولى التي نفذها رجال الإيتسل في السينما، والتي خطط لها بكل تأنٍ، كان الاعتداء هذه المرة أكثر عفوية.   نشرت صحيفة “حيروت-حرية” قصة الاعتداءـ، كما وصفها موشيه سولومون (“نتان”)، القائد الذي بادر إليها: “لم نتلق أي أوامر بذلك، كنا فقط 5 من رجال إيتسل  (…). وصلنا إلى “ريكس”، اقتحمنا الأبواب، وباشرنا بمهمة الإبادة، كما حدث في المركز التجاري. أضرمنا النار في غرفة الآلات ومن ثم في سائر أجزاء المبنى (…). بعد إتمام العملية، أخبرت المسؤولين عني في منظمة إيتسل بالعملية، وصادقوا عليها بأثر رجعي”.

الدخان يتصاعد من سينما ريكس. كانون الأول، 1947. مجموعة رودي غولدشطاين، بيتمونا

احترقت دار السينما بالكامل، إذ أنّ شرائط العرض المصنوعة من النترات كانت شديدة الاشتعال. تعالت سحب الدخان لتغطي سماء المدينة، والتقطت بعدسة بعض المصورين. في ذلك اليوم، ضاع الأمل في عودة سينما ريكس، التي خدمت العرب، اليهود والبريطانيين في القدس. ظلت أنقاضها قائمة حتى ستينيات القرن الماضي، إلى أن أقيم في المكان المركز التجاري الذي لا يزال قائمًا حتى يومنا هذا.