شُرب البيرة من بحر غزّة

يبيّن التاريخ القصير لمدينة غزّة كمدينة تجارة بحريّة كيفيّة مشاركة البدو من النقب الذين زرعوا الشعير في تغيير مذاق البيرة البريطانيّة

المكتبة الوطنية الإسرائيلية
14.09.2020

دوتان هليڤي

هذه مقالة مترجمة بتصرف موقع مدونة أمناء المكتبة

جريدة “فلسطين” عن مدينة غزة،7 أيلول 1912، أرشيف جرايد للصحف

 

في مطلع شهر أيلول 1912، نشر رئيس تحرير الصحيفة اليافاويّة “فلسطين” عيسى داود العيسى مقالة تصف زيارته الأخيرة لمدينة غزة. هكذا كتب: “ورد في كتاب صفنيا، الأصحاح الثاني، الآية 4، أنّ “غزة ستكون مهجورة “. هذه المقولة التي قيلت في عهد يوشيا بن آمون حوالي 630 قبل الميلاد لا تزال سارية المفعول بقوّة بالنسبة إلى غزّة. لقد إذ تخلّت عنها الحكومة، معزولة عن العالم، أهمله الله “. وتابع، واصفًا الحالة الحزينة للمدينة، موضّحًا: تخلّت عنها الحكومة – لعدم وجود بنية تحتية فيها، معزولة عن العالم – لعدم وجود طرق للعربات أو سكك حديدية تصل إليها، مهملة من قبل الله – لتوقّف هطول الأمطار في السنوات الأخيرة الذي يحول دون أن تكسب المدينة رزقها من منتج التصدير الرئيسيّ فيها – الشعير.

كان هذا وصفًا موثوقًا به. منذ خمسينيّات القرن التاسع عشر، كان شاطئ غزة هو محور التصدير السنويّ لعشرات الآلاف من أطنان الشعير لصناعة البيرة البريطانيّة. لكنّ الغريب أنّ غزة لم تتطوّر لتصبح مدينة ميناء مثل جاراتها على ساحل البحر المتوسّط. إنّ تحقيق نبوءة صفنيا، كما اقترح العيسى، هو تفسير ممكن لذلك، لكن في ما يلي أودّ أن أقدّم شرحًا آخر لماذا وكيف جاء الشعير من النقب الشماليّ إلى مصانع البيرة في إنجلترا واسكتلندا (أيضًا)، وإظهار أنّ مدينة غزّة لا تزال صغيرة وفقيرة بسبب التجارة هذه بالذات. كما هو الحال في العديد من الحالات الأخرى في تاريخ الشرق الأوسط، أدّت عمليات التحديث التي تربط الأسواق والمنتجات المحلّيّة بالمنظومات الاقتصاديّة العالميّة إلى ربح أحاديّ الجانب وليس لصالح الطرف من الشرق الأوسط.

لفهم القصة بأكملها، دعونا نركّز على حدثين تعطّل فيهما شيء ما في هذه الآليّة التجاريّة.  بالنسبة إلى المؤرخ، مثل هذه الأحداث بالذات، تعرض التفاصيل التاريخيّة الهامّة التي كانت ستبقى مخفيّة عن الأنظار. إليكم الأوّل من بينها: في 17 كانون الأوّل 1863، تحرّرت السفينة البخاريّة “طاوبيلو” ” من سلسلة المرساة بالقرب من ميناء غريمسبي في إنكلترا، وانجرفت إلى منطقة اليابسة في بلدة قريبة. تم وُصف السفينة في الصحافة البريطانيّة بأنّها “محطّمة”، لكنّ مالكيها لم يتركوا الشحنة الغالية التي كانت على متنها لتغرق في أعماق البحر. كانت هذه أكياس من الشعير حُمّلت من شاطئ غزّة. إذ فُرّغت هذه الحمولة بسرعة ونُقلت مسافة 300 ميل لكي لا يتأخّر وصولها إلى وجهتها الأصليّة، مدينة ألوا في اسكتلندا. كانت ألوا أحد أهمّ مراكز إنتاج البيرة في المملكة المتّحدة، ومثال جيد لنا على الأماكن التي استهلكت الشعير من غزة. أنتجت ألوا النسخة الأكثر حداثة للبيرة البريطانيّة التي خُصّصت للدول المستقلّة البيضاء في الإمبراطوريّة. في تلك السنوات، لعب المستعمرون البيض، وكذلك المسؤولون وجنود الإمبراطوريّة، دورًا هامًا في تطوير مذاق ولون وملمس جديد للمشروبات التقليديّة البريطانيّة. تحت تأثير صادرات البيرة البريطانيّة إلى المستعمرات، أصبحت البيرة الفاتحة اللون، التي تتمتّع بطعم زغبيّ الفوّارة والباردة، الأكثر شعبية من البورتر (الحمّال) التقليديّة، وهي البيرة ما قبل التصنيع الداكنة واللزجة، وكاسمها (بورتر بالإنجليزيّة أي حمّال أو عامل كادح) كانت مرتبطة بعمّال الموانئ.

المثال المعروف لعشاّق البيرة هو بالطبع “إنديا فايل آيل (IPA – المزر) المشروب الفاتح اللون المنتج في مصانع الجعة في بيرتون، والتي انبثقت نكهته الفريدة من الكحول وعشبة الدينار التي أضيفت إليه موازنة بالماء الكبريتيّ من نهر ترينت، حتى لا تفسد خلال الرحلة الطويلة إلى الهند. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أدّت القدرات التكنولوجيّة والعلميّة الجديدة التي تمّ تطبيقها تدريجيًّا على مصانع البيرة، مثل: التبريد والبسترة، إلى تسريع هذه التغييرات الأسلوبيّة وجعلت البيرة منتجًا مستهلكًا طوال العام وليس فقط في الأشهر الباردة، كما كان الحال منذ قرون. جنبًا إلى جنب مع الإزالة التدريجية العوائق القانونيّة التي تحول دون بيع البيرة التي بدأت في عام 1830 وفتح الأسواق البريطانية لاستيراد الحبوب ابتداء من عام 1846، ظهرت النكهات والأساليب الجديدة في المشروب وتزايد الطلب على أنواع مختلفة من الشعير من مختلف أنحاء العالم.

سوق بئر السبع في سنواته الأولى – رمز للنجاح الجزئي للإدارة العثمانية في حكم القبائل البدوية في النقب. من مجموعة مكتبة الكونغرس

كانت أحد مصادر الشعير أرض النقب، كما ترون من الحدث الثاني الذي سننظر فيه. في 11 تشرين 1897، رفض الحمالون في ميناء هول في لندن تفريغ مائة وثلاثة وستين طنًّا من الحبوب من سفينة قادمة من غزة، مدعين أنها مليئة بـ “الغبار”. رفضت إدارة الميناء ادّعاءاتهم، حيث زودت مديري الأرصفة في الميناء بقائمة سوداء بأسماء العمال المتحدّين. ومع ذلك، لم يختلق العمال هذه الادّعاءات. إن حقيقة أنّه على الأقلّ بعض الحبوب التي جاءت من ميناء غزة مليئة بالتراب وأحيانًا حتّى الرمال والأحجار ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالطريقة التي اتّبعتها القبائل البدوية في شمال النقب في زراعة الشعير.

خطاب من مجلس ولاية القدس إلى وزارة الداخليّة في اسطنبول بشأن استخدام أموال تجارة الشعير لتحسين البنية التحتية المدينيّة في غزة، 10 أيّار 1893. مجموعة الباب الأعلى، 25169، أرشيف رئاسة الوزراء في اسطنبول

في الواقع، على العكس الصورة التقليدية للبدو، فإنّ القبائل البدوية الرحّل في النقب في القرن التاسع عشر، قامت بزراعة الأرض وعملت في الزراعة بشكل مكثف. كان هذا نتيجة لتغلغل إداري متزايد من قبل الإدارة العثمانيّة في حياتهم. تدخّل الولاة العثمانيون بشكل مكثّف في الحروب بين القبائل على الأراضي الخصبة بهدف واضح وهو التوطين الثابت للقبائل. فترات السلام النسبي التي نشأت في النقب نتيجة للتهدئة المحلّيّة للنزاعات في النصف الثاني من القرن سمحت للقبائل بزيادة عملها في الأرض تدريجيًّا على حساب الرعي. على مر السنوات، مع استقرار المناطق القبلية نتيجة للضغوط العثمانية، أنتجت الزراعة أيضًا فوائض، تم بيعها في أسواق غزة والخليل وفي السوق الذي سيصبح لاحقًا بئر السبع.

غزة، ربّما من منحدرات تلّة عليّ المنطر، من الدليل السياحيّ الثلاثيّ الأبعاد لشركة ستيريو تراڤل الذي نشر في أيّار 1908. من مجموعة مكتبة الكونغرس

ليس من  العبث وقع اختيار البدو في النقب من أجل التركيز على زراعة الشعير – إذ كان (وما زال) الأكثر تكيّفًا مع الظروف المناخيّة لشمال النقب، وهو الذي يمكن أن ينتج المحاصيل حتى في ظروف قلّة الأمطار. جعلت هذه الظروف أيضًا شعير النقب مناسبًا بشكل خاصّ لصناعة البيرة البريطانيّة. لصنع بيرة عالية الجودة، هناك حاجة لحبوب الشعير الغنيّة بالسكر والفقيرة بالبروتين، ولهذا الغرض يجب أن ينمو الشعير في تربة خفيفة، جافّة وفقيرة بالنيتروجين. بعبارة أخرى، إنّ ظروف التربة والمناخ غير المثالي للنقب هي التي جعلت الشعير الذي نما فيها مرغوبًا فيه لإنتاج البيرة.

في غياب الماء، كان الشعير قصير السيقان، مما أجبر البدو على اقتلاعه يدويًّا، وبالتالي اختلطت البذور بالتربة والأحجار المستخرجة من التربة مع الجذور. لاءمت الدورة الزراعيّة في النقب الطلب على المواد الخام في المملكة المتحدة لأنّها كانت تمامًا على عكس الدورة الزراعيّة في بريطانيا. ففي حين كان الشعير في المملكة المتحدة محصولًا صيفيًّا تم حصاده في أوائل الشتاء، كان الشعير في غزّة محصولًا شتويًّا تم حصاده في الربيع. وهكذا، كان الشعير في غزة قادرًا على الوصول كمحصول أول في العام إلى أسواق المملكة المتحدة وناسب القدرات الجديدة على إنتاج البيرة في أشهر الصيف بفضل الثلاجات التي، كما ذكرنا، دخلت مصانع البيرة. بين حصاد الشعير وبيعه لتجار غزة للتصدير، كان البدو يدفنون البذور في حفر أو أكوام من التراب. وبالتالي فإن الرمال الممزوجة بالحبوب نتيجة لاقتلاع نباتات الشعير والتخزين ملأت السنابل بذلك “الغبار” الذي أسفر عن إضراب واحد على الأقل للعمّال في موانئ لندن.

كان الوسطاء بين صانعي البيرة البريطانيين الذين طالبوا بموادّ خام عالية الجودة والبدو في النقب الذين كانوا قادرين على توفير هذا الطلب من التجار، بمن فيهم يهود الذين عاشوا في غزّة. خرج هؤلاء إلى مضارب القبائل البدوية بضعة أشهر في كلّ عام واشتروا الشعير الذي كانوا يحملونه على الجمال إلى شاطئ غزة، من هناك نقلوا الشعير بواسطة قوارب التجديف إلى السفن البخارية التي كانت ترسو على مسافة من الشاطئ. حصل هؤلاء التجار على ثروة صغيرة من تجارة الشعير، ولكن لماذا لم يتغلغل هذا النجاح إلى المدينة نفسها؟ تكمن الإجابة على ذلك في التغييرات الطويلة الأمد التي مرّت بها المدينة مع تحوّلها إلى مصدّرة للشعير. بسبب موقعها الجغرافيّ على طرف الصحراء، شكّلت غزة لعدّة قرون نقطة التقاء للقوافل التي نقلت التجارة بين مصر وسوريا، وكمورد للغذاء والإمدادات لقوافل الحجاج السنوية التي مرّت في شرق الأردن وسيناء. مع افتتاح قناة السويس، أصبحت طرق التجارة والحج بحريّة، وخلال عقدين فقدت غزة حركة النقل البري. كان ربط غزة بنظام التجارة البحرية للشعير بديلًا اقتصاديًّا جديرًا بالاهتمام منذ عدة عقود، لكنه على المدى الطويل قلّل من الإمكانيّات الاقتصاديّة للمدينة وربط مصيرها أكثر فأكثر بالمناخ غير المستقرّ في شمال النقب.

لاحظ الوكيل القنصليّ البريطاني في غزة ألكسندر كينزويتز هذا فور تعيينه في عام 1906: “يكسب معظم السكان في المدينة والمنطقة رزقهم من تجارة الشعير فقط”. بهذه الجملة القصيرة لخّص في التقرير الأول الذي كتبه حول سيرورة استمرت نصف قرن، “وبالتالي فإن حالة المحاصيل تؤثر بشكل مباشر على حالة الناس والمدينة “. نتيجة للاعتماد على تجارة الشعير، كانت غزة في أوائل القرن العشرين عرضة لتقلبات حادة بين أشهر التجارة المكثّفة في الصيف والسبات الاقتصادي الكلي تقريبًا في فصل الشتاء. جعل هذا الانتقال عبر التقويم والتقلبات بين السنوات الماطرة وسنوات القحط من الصعب على المؤسّسات التجارية مثل البنوك أو الوكالات التجارية أن يكون مقرّها في المدينة. في غياب الجدوى الاقتصادية، اكتفت الإدارة العثمانية بفرض ضرائب على صادرات الشعير وتخلّت مرارًا عن مبادرات التطوير المخطط لها. لقد ركز اهتمام الحكومة الآن على تطوير مدينة بئر السبع الجديدة التي تأسست عام 1900 (في السياق الجيو-سياسي، انظروا هنا أيضًا). وشعر مصنّعو البيرة في المملكة المتحدة أيضًا بعدم الاستقرار هذا، حيث إنّهم شككوا بالفعل، عشيّة الحرب العالمية الأولى، في قدرة المدينة على توفير المنتج بانتظام، وبعد ذلك انتقلوا للاعتماد على الإمداد الثابت والجودة العالية لشعير كاليفورنيا.

المشاهد القاتمة الذي رآها محرر مجلّة “فلسطين” في زيارته لغزة في عام 1912 بعد عدة سنوات من الجفاف، لم يكن قدرًا أو نتاجًا لـ “الحتميّة المناخيّة” إذ تطوّر اعتماد غزة على المناخ المتقلّب في شمال النقب على خلفية دورها الاقتصادي في الحيّز. تُظهر حالة غزة أنه من أجل فهم ازدهار المدينة أو تدهورها، من المهم فهم علاقتها بحيّزها الطبيعيّ، ولكن يجب أن يتم ذلك من منطلق الافتراض بأن هذه العلاقات ليست ببساطة “طبيعية”. هذه العلاقات، بدورها، هي نتاج السيرورات السياسيّة، الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي لها تاريخ يستحقّ سرده.

...تحميل المزيد من المقالات loading_anomation