دالية الكرمل – من تمرّد جبل لبنان حتّى حلف الدّم مع إسرائيل

ضمن سلسلة من الأعمال المتعلّقة بالطّائفة الدّرزيّة، ندعوكم للتعرّف على قصّة دالية الكرمل من خلال صور ومواد وُجدت في المكتبة الوطنيّة.

متجر وصاحبه في دالية الكرمل عام 1960

تأسست قرية دالية الكرمل كقرية درزيّة منذ البداية في عشرينيّات القرن السّابع عشر حين أمر الأمير فخر الدّين المعني الثّاني ببناء ستّة عشر قرية درزية على جبال الكرمل في مدينة حيفا لتعزيز النّفوذ الدّرزيّ في المنطقة وحماية الحدود الجنوبيّة لولايته. فالأمير فخر الدّين المعني، الوالي الطّموح الّذي نجح ببناء جيشه الخاص وتوسعة ولايته لتشتمل على معظم أراضي سورية الكبرى، أراد أن يضمن وجود من يسانده في هذا الموقع الاستراتيجيّ على شمال السّاحل الفلسطيني فاختار جبل الكرمل، ويقال أنّ الموقع الّذي بُنيت عليه القرية كان يعجّ بالـ “دّوالي” البريّة (أوراق العنب باللّهجة الشّاميّة)، فكان جنود المعني يشيرون إلى الموقع بالـ “دالية”، وهكذا أصبحت القرية المقامة عليها “دالية الكرمل”.

لم يبقى إلى اليوم من هذه القرى السّتة عشر سوى دالية الكرمل وجارتها عسفيا، وكان سكّان هذه القرى الأوائل من عائلات الطائفة درزيّة موالية للمعني من سورية ولبنان. وهناك روايات أخرى تُرجّح بداية التّوطّن الدّرزي في جبل الكرمل إلى ما بعد فترة الأمير فخر الدّين، كما ويعتقد البعض أن القرية وُجدت قبل هذه الفترة لوجود مقام قديم في القرية.

نساء من دالية الكرمل بجانب فرن القرية ، 1890-1910، أرشيف بن تسفي
نساء من دالية الكرمل بجانب فرن القرية ، 1890-1910، أرشيف بن تسفي

              للمزيد حول الطائفة الدرزية، تصفحوا البوابة المعرفية لأرشيف مصوّر خاص بالدروز في زوايا المكتبة الرقمية

لقرية دالية الكرمل تاريخ متفرّد خاص بها يميّزها عن المنطقة ويربطها بمناطق أخرى وبالتّاريخ الأوسع لسورية الكبرى، فبالرّغم من الاختلاف حول قصّة بنائها، إلّا أن جميع القصص تشير إلى الهجرة من سورية ولبنان نحو فلسطين، ثمّ لاحقًا، الهجرة الدّاخلية من قرى محيطة إلى دالية الكرمل أثناء حملة إبراهيم باشا على سورية في منتصف القرن التّاسع عشر؛ إذ هاجم قرى الدّروز في الكرمل في طريق عودته إلى مصر فأدّى إلى نزوح أهالي عدد من القرى الدّرزيّة المحيطة إلى دالية الكرمل وهدم قراهم. بالإضافة إلى موجة نزوح ثانية شهدتها القرية عام 1948 من سكّان القرى المجاورة.

نجد في داخل القرية منطقة أثريّة تحتوي على مدافن ومعاصر وأُسس منحوتة من الصّخور تشهد على تأسيس القرية وتغيّر ثقافتها عبر العصور. وفي العقود الأخيرة من العهد العثماني في فلسطين، نجد أن القرية استقبلت بكلّ ترحاب ساكنًا أجنبيًا من أصول اسكتلنديّة “سير لورانس أوليفانت” الرّحالة، الّذي ابتاع في القرية قطعة أرض وعمّر فيها بيتًا على الطّراز الأوروبي ما زال قائمًا إلى اليوم. وقد كتب أوليفانت عدّة مقالات صحافيّة حول حياته في فلسطين وصف فيها معيشته مع الدّروز في دالية الكرمل، ووصفهم بالجدّيين والمستقيمين، وبالطّيبين الّذين يُقدّرون المعاملة الحسنة.

قبل فترة مكوث سير أوليفانت، ذكر الرّحالة البريطانيّ لورد كيشنر أنّ عدد سكّان دالية الكرمل عام 1859 كان 300 نفرًا وفي عسفيا 400 نفرًا. وقد بلغ عدد سكّان دالية الكرمل في عام 1911 بحسب الإحصاء العام للحكومة العثمانيّة 838 نفرًا سكنوا قرابة مائتين بيت من بينهم عائلة حلبي وبيراني وقرا/قره وسلوم وخطيب وقبلان وحسّون وغيرهم.

 

دالية الكرمل في عهد الانتداب البريطاني – الثّورة الفلسطينيّة وبناء المدارس

 

خبر يتناول دالية الكرمل في جريدة الدّفاع 7.4.1938
خبر يتناول دالية الكرمل في جريدة الدّفاع 7.4.1938

نرى عبر الأخبار الّتي تناولت دالية الكرمل في عهد الانتداب البريطانيّ أنّ حال القرية لم يختلف عن أحوال قرى فلسطين عمومًا. فبالرّغم من الاعتقاد العام بأن أبناء الطّائفة الدّرزية لم ينخرطوا في صفوف المعارضة الفلسطينيّة لحكومة الانتداب والهجرة اليهوديّة، نجد خبرًا عن القرية في جريدة الدّفاع في السّابع من نيسان عام 1938، أي في أوج الثّورة الفلسطينيّة الّتي اندلعت عام 1936 واستمرّت حتّى عام 1939، بأنّ حكومة الانتداب البريطانيّ تفرض على أهالي قرية دالية الكرمل غرامة بقدر خمسمائة جنيه بل وأرسلت قوّة خاصّة إلى القرية لجباية الضّريبة. وكان سبب هذا العقاب الجماعيّ هو إطلاق النار من قرية دالية الكرمل نحو عمّال يهود كانوا يقومون بتعبيد طريق جديدة في سفح الجبل.

"دالية الكرمل قرية عربيّة" من صفحة شؤون الفلّاحين في جريدة الاتّحاد 21.5.1944
“دالية الكرمل قرية عربيّة” من صفحة شؤون الفلّاحين في جريدة الاتّحاد 21.5.1944

بينما يجدر بالذّكر هنا أنّ أهالي القرية كانوا قد رحّبوا بالطّرق المعبّدة من قبل حكومة الانتداب قبل ذلك، فأوّل طريق للقرية تمّ شقّه في بداية الثّلاثينيّات من أجل استقبال ضيوف لساكنة أجنبيّة في بيت أوليفانت السّابق ذكره، إذ قامت السيّدة بدعوة حاكم لواء حيفا مع ضيوف آخرين وفي أعقاب الدّعوة تمّ تعبيد شارع يربط قرية دالية الكرمل بحيفا عن طريق عسفيا، وكان هذا الشّارع وفقًا لإصدار مركز “سِوا”، أول طريق معبّد يصل القرية بالخارج، وقد رحّب به أهالي القرية حينها.

رجال يركبون الحميرعند مدخل القرية عام 1939، أرشيف بن تسفي
رجال يركبون الحميرعند مدخل القرية عام 1939، أرشيف بن تسفي

 

رجال في دالية الكرمل يلعبون الشطرنج عام 1936، أرشيف بن تسفي
رجال في دالية الكرمل يلعبون الشطرنج عام 1936، أرشيف بن تسفي

 

كما نجد في عام 1944 محاولة من شابّين من دالية الكرمل لفت نظر حكومة الانتداب إلى حاجة مدرسة القرية الّتي بناها أهالي البلدة بأنفسهم للتّوسعة والرّعاية الحكوميّة إذ لم تتّسع حينها إلّا لنصف أطفال القرية الّذين يرغبون بالتّعلّم. وقد قاموا بذلك من خلال السّفر إلى أحد مكاتب جريدة الاتّحاد وتقديم طلب لنشر شكواهم وطلباتهم لتسمعها حكومة الانتداب.

زائرتان يهوديتان للقرية 1937-1939، أرشيف بن تسفي
زائرتان يهوديتان للقرية 1937-1939، أرشيف بن تسفي

 

العقود الأولى تحت الحكم الإسرائيلي –  التّجنيد الإجباري بين القبول والرّفض

 

أهالي حيّ في دالية الكرمل مجتمعين عام 1956، أرشيف بن تسفي
أهالي حيّ في دالية الكرمل مجتمعين عام 1956، أرشيف بن تسفي

 

منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، تطوّع عددٌ من الدّروز في صفوف الجيش الإسرائيلي في كتيبة خاصّة ضمت دروز، بدو وشركس، إلّا أنّه في أواخر الخمسينيّات، قامت دولة إسرائيل بالاعتراف بالطّائفة الدّرزية كديانة مستقلّة، كما فُرض على شباب قرية دالية الكرمل، كحال جميع الشّباب الدّروز حينها في البلاد، الخدمة الإجباريّة في الجيش الإسرائيليّ بعد سنوات قليلة من المراسلات والتردّدات بين بعض قادة الطّائفة الدّرزيّة على رأسهم الشيخ أمين طريف والحكومة. إلّا أنّ قرار فرض التّجنيد قوبل أيضًا برفض من قبل شريحة كبيرة من الدّروز؛ حيث امتنع الكثير من الشّبان عن استلام أوامر تجنيدهم، فنجد في عام 1956 على سبيل المثال أن 60 فقط من أصل 141 شاب مطلوب للتّجند من قرى الكرمل  حضروا بالفعل إلى مكتب التّجنيد في حيفا. (وثيقة من أرشيف الجيش بحسب فرّو، 2019، ص284) استمرّت محاولات قمع هذا الرّفض حتّى سنوات السّبعينيّات على ما يبدو، إذ نجد حادثة في صحيفة الاتّحاد في 17 حزيران 1978، تصف غضب أهالي قرية دالية الكرمل من اقتحام بيوتهم واعتقال أبنائهم بالقوّة لإجبارهم على التّجنّد في حملة امتدّت إلى دروز شفاعمرو كذلك.

"العدوان البوليسي على دالية الكرمل" صحيفة الاتّحاد 27 حزيران 1978
“العدوان البوليسي على دالية الكرمل” صحيفة الاتّحاد 27 حزيران 1978


حلف الدّم وزيارة زعماء دولة إسرائيل إلى دالية الكرمل

إن كانت العلاقات مضطربة في بدايتها فإنّها في العقود التّالية ازدهرت بلا شكّ بين القرية الجبليّة والدّولة كما ازدهر بالتّوازي اقتصاد القرية وأسواقها السّياحيّة. ويظهر هذا الازدهار جليًا في مجموعة من الصّور الّتي التقطت أثناء زيارات عديدة لقادة الدّولة إلى القرية في مناسبات عديدة. ففي الثّامن من أيّار عام 1968 شارك رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موشيه دايان في جنازة الرّقيب لطفي ناصر الدّين من قرية دالية الكرمل وشارك في مراسم الدّفن بنفسه تأكيدًا على تقدير الدّولة لدور الدّروز في حماية أمنها. كما نجد في عام 1974 احتفالاً بافتتاح سوق للقرية بحضور وزير السّياحة حينها موشيه كول الّذي استقبله أهالي القرية برفع الأعلام الإسرائيليّة. وفي عام 1991 شارك رئيس الحكومة يتسحاك شامير في مؤتمر احتفالي للطّائفة الدّرزيّة في القرية.

من جنازة الرّقيب الرّاحل لطفي ناصر الدّين 1968، يظهر قائد الأركان موشيه دايان وفي يمين الصّورة يظهر الشّيخ أمين طريف رئيس الطّائفة الدّرزيّة، أرشيف دان هداني
من جنازة الرّقيب الرّاحل لطفي ناصر الدّين 1968، يظهر قائد الأركان موشيه دايان وفي يمين الصّورة يظهر الشّيخ أمين طريف رئيس الطّائفة الدّرزيّة، أرشيف دان هداني

 

من جنازة الرّقيب الرّاحل لطفي ناصر الدّين 1968، أرشيف دان هداني
من جنازة الرّقيب الرّاحل لطفي ناصر الدّين 1968، أرشيف دان هداني

 

من افتتاح سوق في دالية الكرمل عام 1974 بحضور الوزير موشيه كول، أرشيف دان هداني
من افتتاح سوق في دالية الكرمل عام 1974 بحضور الوزير موشيه كول، أرشيف دان هداني

 

صورة داخل متجر في دالية الكرمل عام 1974، أرشيف دان هداني
صورة داخل متجر في دالية الكرمل عام 1974، أرشيف دان هداني

 

رئيس الحكومة السّابق يتسحاك شامير في دالية الكرمل عام 1991، أرشيف دان هداني
رئيس الحكومة السّابق يتسحاك شامير في دالية الكرمل عام 1991، أرشيف دان هداني

 

تطوّرت العلاقات بين أبناء الطّائفة المعروفيّة  في دالية الكرمل والبلدات الدّرزيّة ودولة إسرائيل بلا شكّ فأصبحت مزارًا للسّياحة الدّاخليّة للمواطنين اليهود الّذين يرغبون بالتّعرف على ثقافة الدّروز الّذين يخدمون الدّولة جنبًا إلى جنب معهم، كما تمّ إنشاء المصانع والمشاغل والمصالح الّتي ساهمت بنهضة اقتصاديّة ملحوظة، وقد وصف البعض هذه العلاقة بين أبناء الطّائفة الدّرزيّة والدّولة ب”حلف الدّم” للتأكيد على أنّها علاقة وثيقة ومتينة وهو ما نراه في المشاهد التّي تصدّرت الصّور الأرشيفيّة لقرية دالية الكرمل في المكتبة، إلّا أننّا نجد أيضًا أنّ مطالبات القرية بالمساواة والتّطوير بقيت تطفو على السّطح من خلال رؤساء المجلس المحلّي تارة والمظاهرات الشّعبيّة تارة أخرى، وهو ما نراه في أخبار القرية في صحيفة الاتّحاد في سنوات الثّمانينيّات والتّسعينيّات.

إليكم بعض هذه الأخبار:

 

عن شكوى عاملات دالية الكرمل في المصانع، الاتحاد 26 حزيران 1981
عن شكوى عاملات دالية الكرمل في المصانع، الاتحاد 26 حزيران 1981

 

مظاهرة لأهالي دالية الكرمل ضدّ التّمييز العنصري، الاتّحاد 1 حزيران 1992
مظاهرة لأهالي دالية الكرمل ضدّ التّمييز العنصري، الاتّحاد 1 حزيران 1992

 

 مذكّرة رئيس المجلس المحلّي إلى رئيس الدّولة، الاتّحاد 15 أيّار 1992

مذكّرة رئيس المجلس المحلّي إلى رئيس الدّولة، الاتّحاد 15 أيّار 1992

 

دالية الكرمل تستعدّ للنّضال الشّعبي إن لم يتم الاعتراف بها كقرية تطوير "أ"، الاتّحاد 6 تشرين الثّاني 1994
دالية الكرمل تستعدّ للنّضال الشّعبي إن لم يتم الاعتراف بها كقرية تطوير “أ”، الاتّحاد 6 تشرين الثّاني 1994

 

المصادر التي اعتمد عليها في هذا المقال:

دالية الكرمل في ثلاثمائة عام، نزيه خير، دار الهدى للنّشر في كفرقرع، 1991.
دالية الكرمل حضارة وتاريخ، حركة سوا، 2009.
دروز في زمن الغفلة، قيس فرو، مؤسّسة الدّراسات الفلسطينيّة، 2019.

كانت هناك حاجة لطائرة مروحية أيضًا: هكذا بُنيت المكتبة الوطنية في الحرم الجامعي جفعات رام

مخططون مُدهشون، عِمارة استثنائية وبناء معقّد- كلّ ذلك كان جزءًا من سيرورة تشييد مبنى المكتبة الوطنية في الحرم الجامعي جفعات رام في الجامعة العبرية في القدس

1

ينتصب وسط المجمّع الجامعي مبنى يبدو من الناحية الشمالية طوبة رخامية كبيرة الحجم، برّاقة وخطوطها مستقيمة، وترتكز على أعمدة. ولكن من النواحي الأخرى، عند سفح الجبل، يظهر المبنى بكامل رونقه، بأدواره الستة. هنا يقع قلب الجامعة”…  

هكذا وُصفَ مبنى المكتبة الوطنية الواقع في وسط الحرم الجامعي جعفات رام في الجامعة العبرية في القدس، في كتيّب “دار الكتب الوطنية والجامعية” ليهودا هائيزراحي، والذي صدر سنة 1966. يصف الكتيّب تاريخ المؤسسة المسمّاة اليوم “المكتبة الوطنية الإسرائيلية”، ويخصص عددًا كبيرًا من الصفحات لمبنى المكتبة حتى لحظة كتابة هذه السطور (منتصف سنة 2020). صدر هذا الكتيب بعد انقضاء ست سنوات فقط على انتقال المكتبة إلى هذا المبنى، وهو أحد المباني الرائعة والفريدة من نوعها.

التاريخ-العام والمعماري- لمباني المكتبة الوطنية كان موضوعًا رئيسيًا في العديد من المقالات. لن نستعرض جميعها هنا، بل سنتطرق إليها بإيجاز.  تتمحور هذه المقالة أساسًا حول المبنى الحالي للمكتبة، ومخططيه المُدهشين.

 

1
مبنى ليدي ديفيس، المكتبة الوطنية في الحرم الجامعي جفعات رام. تصوير: أساف بينتشوك

المبنى التاريخي لِما كان يسمّى سابقًا “دار الكتب الوطنية والجامعية” كان يقع في أول حرم للجامعة العبرية، على جبل المشارف في القدس. بعد حرب الاستقلال، فُصل الجبل عن القدس الغربية، وتم توزيع مباني الجامعة في مختلف أرجاء المدينة. اضطرت المكتبة الوطنية أيضًا لاستخدام مبان مختلفة، ومن بينها مبنى تراسنطا.

1
دار الكتب الوطنية في حرم الجامعة العبرية على جبل المشارف. تصوير:  حنان بهير، من مجموعة بيتمونا، المكتبة الوطنية.

ولكن في إطار إقامة المجمّع الجامعي الجديد في جعفات رام غربي المدينة، تقررت إقامة مبنى لدار الكتب الوطنية والجامعية في وسط المجمّع. تجدر الإشارة إلى أنّه حتى سنة 2008، كانت المكتبة الوطنية منشأة تابعة للجامعة العبرية، واستخدمت أساسًا كمكتبة بحثية. ننوه أيضًا بأنّه خلافًا للوضع الحالي، فإنّ مقر كليتيْ العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية كان في جفعات رام، وقد شغّلت هاتان الكليتان الباحثين الذين شكّلوا جمهور الهدف الرئيسي للمكتبة.

مع تخطيط الحرم الجامعي الجديد، تقرر في سنة 1955 إطلاق مسابقة لتخطيط مبنى دار الكتب الوطنية والجامعية. قدّم بعض المهندسين المعماريين مقترحاتهم، وكان عليهم التعامل مع الظروف غير البسيطة للمنطقة (سفح تلة) وتلبية الاحتياجات الخاصة للمكتبة (تخزين كتب ومخطوطات قديمة والحفاظ عليها، بالإضافة إلى استقبال الجمهور وأنشطة عديدة أخرى). ضمت مجموعة المشاركين أكبر المهندسين المعماريين، أمثال زيئيف ريختر (وابنه يعقوف الذي كان قد انضم منذ فترة وجيزة إلى مكتب الهندسة المعمارية، ليصبح لاحقًا أحد أشهر المهندسين المعماريين في إسرائيل بجهوده الذاتية)؛ دافيد بيست (الذي كان يعمل في وزارة الإسكان في حينه)، باروخ وغيلو ميشولام وآخرين.

1
مقترح لمخطط دار الكتب الوطنية، من أرشيف  دافيد بيست
1
مقترح لمخطط دار الكتب الوطنية، من أرشيف ريختر للهندسة المعمارية

ولكن عند الإعلان عن الفائزين في شباط 1965، أصيب كبار المهندسين المعماريين بخيبة أمل: فقد فاز في مسابقة التخطيط مقترح قدّمه مهندسان معماريان شابان، من قسم التخطيط في الكيبوتس الموّحد، وهما زيفا أرموني وحنان هبارون. كان الاثنان مجهوليْن في تلك الفترة، وكانا قد أنهيا دراستهما قبل فترة وجيزة. مع ذلك، تم قبول مقترحهما. المخططات الأولية ومسودات المقترح الذي قدّماه موجودة في أرشيف كل منهما، وقد مُسحت ضوئيًا في إطار المجموعة الرقمية الوطنية  للمكتبة الوطنية في مجال الهندسة المعمارية.

1
مخطط أولي من أرشيف زيفا أرموني لدار الكتب القومي
1
من أرشيف زيفا أرموني

بدأت مهمّة التخطيط في وقت لاحق من نفس السنة، وبدأ البناء في سنة 1957. بسبب التخطيط المعقد، أوكلت المهمّة لطاقم دمجَ بين ثلاثة مكاتب للتخطيط: الفائزان زيفا أرموني وحنان هبارون، المهندسان المعماريان أمنون ألكسندروني وأبراهام ييسكي والمهندسون المعماريون ميخائيل نيدلر، شولميت نيدلر وشمعون فوبنزر. أوكلت مهمّة التصميم الداخلي للمهندسة المعمارية والمصمّمة الداخلية دورا غاد (تم أيضًا تصوير أرشيفها بالمسح الضوئي في إطار المجموعة الرقمية الوطنية للمكتبة الوطنية في مجال الهندسة المعمارية). وبسبب الطبيعة المركبة لمخطط البناء، انضم للمخططين فريق مساعد ضمّ المهندس المعماري للجامعة دوف كارمي، ومدير المكتبة في تلك الفترة د. كورت فورتمان.  التنفيذ نفسه لم يكن سهلًا على الإطلاق. فلتركيب أنظمة التكييف على سطح المبنى مثلًا، كانت هناك حاجة لطائرة مروحية طلبتها الجامعة من القوات الجوية الإسرائيلية.

1
مروحية تساعد في تركيب نظام التكييف في مبنى ليدي ديفيس في المكتبة الوطنية، من أرشيف المكتبة الوطنية

أخيرًا، في نهاية سنة 1960، افتتح المبنى الجديد لدار الكتب الوطنية والجامعية، في وسط المجمّع الجامعي الجديد- رمز منظومة التعليم والثقافة العبرية في دولة إسرائيل المتجددة.

1
صورة داخلية في مبنى ليدي ديفيس في المكتبة الوطنية. تصوير: مريم شمير، من أرشيف دورا غاد

يبرز في المبنى نفسه، الذي يحمل اسم فاعلة الخير الشهيرة ليدي ديفيس، استخدام الأعمدة وأسس التخطيط التي تتبع طراز العِمارة الدولي. في دَور صالات القراءة، خطط المهندسون المعماريون فتحة كبيرة جدًا تُدخل الضوء (لا توجد في الصالات أية نوافذ، والضوء الطبيعي يدخل من السقف). في نهاية المطاف، وضعت على هذه الفتحة في الثمانينات النوافذ المزججة الشهيرة للفنان مردخاي أردون، التي أصبحت أيقونة تصميمية في المكتبة.

1
نوافذ أردون في المكتبة الوطنية. تصوير: أودي أدري

في صيف سنة 2020، على بعد مئات الأمتار من مبنى ليدي ديفيس، هناك مبنى جديد قيد التشييد. المبنى الذي يشيّد بين الكنيست والوزارات ومتحف إسرائيل، سيصبح خلال بضع سنوات المقر الجديد للمكتبة الوطنية. ننتظر افتتاحه بفارغ الصبر.

الأرشيفات الشخصية لزيفا أرموني، حنان هبارون ومهندسين معماريين آخرين شاركوا في المسابقة وفي أعمال التخطيط (دافيد بيست، مكتب ريختر للهندسة المعمارية، باروخ وغيلو ميشولام، دورا غاد) مُسحت ضوئيًا في إطار تعاون بين وزارة شؤون القدس والتراث الإسرائيلي، المكتبة الوطنية الإسرائيلية، أكاديمية بيتسالئيل للفنون والتصميم، وقسم اليودايكا في مكتبة جامعة هارفاد. هل تريدون الاطلاع على مواد إضافية؟ ابحثوا في المجموعة الوطنية الرقمية لأرشيفات الهندسة المعمارية في المكتبة الوطنية.

نتقدّم بجزيل الشكر لكلّ من إيهود بيست، أرشيف ياد طبنكين، ريختر للهندسة المعمارية م.ض. وأرشيف الهندسة المعمارية الإسرائيلي، على تعاونهم في المسح الضوئي لهذه الأرشيفات

 

وجه الدولة: هكذا كان شكل اليوم الأول بعد تأسيس إسرائيل

كيف احتفلوا بالاستقلال قبل الاستقلال؟ ما هو "الموكب الذي لم يُكمل مساره؟ هذا ما ستكشفه لنا صور التقطت بعدسة بينو روتنبيرغ

تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

كيف نشأ عيدٌ من العدم؟ ينص  قانون يوم الاستقلال لعام 1949 على حلول يوم الاستقلال في الخامس من شهر أيار حسب التقويم العبري، وينظّم مسألة تبكيره أو تأجيله إذا حلّ يوم السبت. وفقًا للقانون، كُلّف رئيس الحكومة بالاهتمام بمسألة رموز العيد وطبيعة الاحتفالات، والسماح برفع الأعلام. يُطرح هنا سؤال مركّب مفاده كيف أخذ يوم الاستقلال شكله الحالي. نرغب أولًا في العودة إلى لحظة عينيّة، إلى الخامس من شهر أيار 5709 حسب التقويم العبري- بعد إعلان قيام الدولة بعام واحدٍ، وبعد ثلاثة أسابيع على سنّ القانون سابق الذكر.

سادت في ذلك اليوم، الخامس من أيار، حالة من الضبابية وعدم الوضوح. فالخامس من أيار للعام 5709 لم يكن “يوم الاستقلال الأول”، بل سبقه “يوم الدولة” الذي أقيم في 27 تموز 1948، بعد مرور بضعة أيام على إعلان الاستقلال. اختير هذا التاريخ لأنّه ذكرى وفاة بنيامين زيئيف هرتسل، وأرادت سلطات الدولة تسليط الضوء على الرابط بين رؤية هرتسل ودولة إسرائيل الفتية. ولأول مرة، اقتصر الاحتفال الرئيسي في “يوم الدولة” على موكب عسكري للجيش الإسرائيلي حديث الإنشاء.

تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

 

استعدادًا لموكب الجيش الإسرائيلي في يوم الاستقلال الأول في تل أبيب، حامل راية يرفع علم إسرائيل:  تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

ولكن لنعود إلى الخامس من أيار لعام 5709 حسب التقويم العبري، أي الرابع عشر من أيار-مايو لعام 1949 حسب التقويم الميلادي. كيف احتفلوا بالاستقلال؟ لا أحد يعرف بالضبط، مع ذلك، كانت هناك أمور بديهية، مثل الرقص في الشوارع، وإحياء ذكرى الـ 29 من نوفمبر 1947. في يوم الاستقلال الأول، خططت البلديات في جميع أنحاء البلاد لبرامج احتفالية تشمل إضاءة المشاعل، رفع أعلام، نصب منصّات لعروض ترفيهية (حيث عزفت الأوركسترا البلدية- وليس أشهر المغنين والمغنيات، كما اعتدنا نحن) والعديد من المسيرات والمواكب. في الجليل، أضاؤوا المشاعل، وأقيمت مسيرات مشاعل في مدن مختلفة مثل رمات غان، حولون وبيتاح تيكفا. في رياض الأطفال والمدارس، أقيمت استعراضات احتفالية ورفعوا الأعلام، وقد حضرها بعض السياسيين لإلقاء خطابات.

من مجموعة البوسترات، المكتبة الوطنية
برنامج ليوم الاستقلال لعام 1949،  من مجموعة البوسترات، المكتبة الوطنية

عشية عيد الاستقلال، ألقى رئيس الحكومة دافيد بن غوريون خطابًا خاصًا بيوم الاستقلال، والذي نشر في الصحيفة في اليوم التالي. في حينه، لم يكن قد تحدد بعد يوم ذكرى شهداء معارك إسرائيل، مع أنّه كانت تُتلى أحيانًا الصلاة التذكارية “يزكور” خلال برامج العيد. بالإضافة إلى ذلك، استضاف بن غوريون في المركز الحكومي في تل أبيب وجهاء من خارج البلاد الذين حضروا حفل استقبال رسمي خاص لمناسبة استقلال دول إسرائيل المتجددة.

استضاف رئيس الحكومة دافيد بن غوريون  وزوجته بولا عدة وجهاء في حفل استقبال رسمي عشية  يوم  الاستقلال الأول. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
استضاف رئيس الحكومة دافيد بن غوريون  وزوجته بولا عدة وجهاء في حفل استقبال رسمي عشية  يوم  الاستقلال الأول. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

كانت ذروة الاحتفالات عبارة عن موكب عسكري للجيش إلإسرائيلي، “جيش الانتصار والتحرير”. لم يُخطط لموكبٍ واحد فقط، بل اثنين، في القدس وفي تل أبيب. انطلق موكب القدس بدون أحداث استثنائية، ولكن القصة الرئيسية ليوم الاستقلال الأول كانت الاستعراض العسكري في تل أبيب.

في اليوم التالي، تصدّر العنوان “الموكب الذي لم يكمل مساره” الصفحة الرئيسية لصحيفة “معاريف”. انغرس هذا العنوان في الذاكرة، ولم ينسَ منذ ذلك الحين. كتب محرر معاريف في حينه، د. عزريئيل كريلباخ، عن الواقعة، قائلًا: “وقف الناس وبكوا. كالأطفال تمامًا. كنا جميعًا كالأطفال يوم أمس. بكوا كطفل انكسرت بين يديه لعبته المفضّلة. استيقظوا فجرًا وانطلقوا نحو المدينة، تجولوا فيها، ولم تكن لديهم أية خطة، لم يكن لديهم أي شيء يفعلونه- سوى انتظار حدث اليوم، الموكب.

وعندما قيل لهم أنّ هذا “المسيح المنتظر” لن يأتي- ضحكوا. هذا مستحيل. فقد شعروا بقدومه بكلّ حواسهم. وعندما قيل لهم مجددًا إنّ الموكب لن يأتي- لم يستوعبوا ذلك… وعندما قيل لهم ذلك للمرة الثالثة، لأن الموكب لم يتمكن من إخلاء الطريق من ميدان مُغربي حتى شارع إيدلسون، أي مسافة 200 متر تقريبًا- لم يصدّقوا، لا يمكن لذلك أن يكون صحيحًا. جيشنا؟ الذي وصل إلى إيلات، وأمكنه دخول دمشق بسهولة- لا يستطيع دخول شارع إليعيزر بن يهودا؟ هذا عبث”.

 

طائرة تحلق فوق الجمهور الذي ملأ شوارع تل أبيب. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
طائرة تحلق فوق الجمهور الذي ملأ شوارع تل أبيب. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

 

في البداية، تمكّن الموكب من الانطلاق، وقد شارك فيه مندوبون عن مختلف الفيالق: سلاح البحرية، الهيئة الطبية العسكرية ومقاتلو “الهاغاناه” الذين استعرضوا سلاحهم. ملأت الشوارع سيارات الجيب، وعُرضت المدافع، بينما حلّق الطيارون من حين لآخر بالطائرات القليلة التي كانت متوفرة للجيش الإسرائيلي في حينه. برز بين مشاركي الموكب مندوبون عن الأقليات، أي جنود دروز خدموا هم أيضًا في الجيش الإسرائيلي. شاركت في الموكب أيضًا أوركسترا، كما يليق بموكب عسكري مهيب.

مقاتلو "الهاغاناه" القدماء يسيرون في الموكب. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
مقاتلو “الهاغاناه” القدماء يسيرون في الموكب. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

 

رفع الأعلام في ميدان تسينا ديزنغوف. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
رفع الأعلام في ميدان تسينا ديزنغوف. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

 

جنود دروز يسيرون في الموكب. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
جنود دروز يسيرون في الموكب. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

 

ولكن قرابة الساعة الرابعة، حينما ترقب الجميع وصول الموكب إلى المنصة الشرفية لتأدية مراسم التحية العسكرية أمام قادة الدولة، كبار المسؤولين وضيوف من خارج البلاد، شاع نبأ إلغاء الموكب، وأنّه لن يتمكن من الوصول إلى المنصة الشرفية في شارع ديزنغوف بسبب الاكتظاظ الشديد عند التقاء شارع ألنبي بشارع بن يهودا. الجماهير الغفيرة التي أتت لمشاهدة الموكب ملأت الشوارع وسدّت الطرقات، وجميع المحاولات التي بذلتها الشرطة المتواجدة في المكان لفتح هذه الشوارع باءت بالفشل. في نهاية المطاف، وكما ذكر آنفًا، أعلنوا عن إلغاء الموكب، واضطر الجمهور للمغادرة، خائب الأمل. “جيش الدفاع الإسرائيلي تمكّن من احتلال كل مكان، سوى شوارع تل أبيب”، هذا ما جاء على لسان أحد كبار ضباط الجيش الذي تواجد في المكان، واقتُبس في صحيفة “حيروت”.

مدفع في موكب الجيش الإسرائيلي  في يوم الاستقلال الأول في تل أبيب، تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
مدفع في موكب الجيش الإسرائيلي  في يوم الاستقلال الأول في تل أبيب، تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

بنظرة للوراء، يبدو أنّ هذا الوضع نتج عن إخفاقات تنظيمية. يبدو أنّ منظّمي الموكب لم يتوقعوا حضور هذا الكم الهائل من الناس لمشاهدة الموكب العسكري. يُقال أنّ مئات الآلاف حضروا من جميع أنحاء البلاد- في دولة لا يزيد عدد سكانها عن 800 ألف نسمة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ الطرقات لم تغلق أمام حركة المرور إلا قبل موعد انطلاق الموكب بوقت قصير.  في اليوم التالي، بشّرت الصحف بتشكيل لجنة تحقيق لاستيضاح أسباب الإخفاق.

 

رجال الشرطة  يحاولون إخلاء الجمهور.  تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
رجال الشرطة  يحاولون إخلاء الجمهور.  تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
محاولة لشق الطريق بين المشاهدين . تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
محاولة لشق الطريق بين المشاهدين . تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

 

عناصر الشرطة يحاولون منع الجمهور من النزول إلى الشارع. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية
عناصر الشرطة يحاولون منع الجمهور من النزول إلى الشارع. تصوير: بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية

 

على ضوء هذا الموقف المحرج الذي حصل في تل أبيب، تقرر الاحتفال بـ “يوم الدولة” مجددًا في 17 تموز 1949. أجريت في حينه مسيرة احتفالية، على نطاق أضيق، لاستكمال الموكب الذي لم يكمل مساره، وزّعت أيضًا نياشين بطولة على 12 مقاتلًا من مقاتلي حرب الاستقلال. كانت تلك المرة الأخيرة التي يُحتفل فيها باستقلال إسرائيل في ذكرى وفاة هرتسل، وأصبح الخامس من أيار، حسب التقويم العبري، يوم الاستقلال الرسمي لدولة إسرائيل.

في عام 1951، تقرر تخصيص يوم لإحياء ذكرى شهداء معارك إسرائيل، وفي نفس السنة، تمت لأول مرة إضاءة المشاعل على جبل هرتسل، في عام 1953، وزّعت لأول مرة جوائز إسرائيل، وفي عام 1958، بعد مرور عقد على قيام الدولة، أطلقت مسابقة الكتاب المقدّس (التناخ) الأولى. هكذا تبلور يوم الاستقلال الإسرائيلي كما نعرفه اليوم.

جميع الصور في هذه المقالة- إلّا إذا أشير إلى خلاف ذلك- مأخوذة من أرشيف المصوّر بينو روتينبيرغ، من مجموعة ميتار، المكتبة الوطنية. وثّق روتينبيرغ بعدسته مواضيع كثيرة في العقود الأولى لدولة إسرائيل. يمكنم رؤية نماذج إضافية لصور التقطت بعدسته هنا، هنا و هنا.

نزاع بين عائلتيّ قدورة والنحوي في صفد!

تعرّفوا على قصّة الشّيخ أسعد أفندي وعلي بك رضا النّحوي من خلال أخبار الصحف الفلسطينية في أرشيف جرايد.

تعرّفوا على قصّة الشّيخ أسعد أفندي وعلي بك رضا النّحوي
الجزء الأوّل

 

تحظى القصص العائليّة والبنى الاجتماعيّة للفلسطينيّين في عهد الانتداب البريطانيّ باهتمامٍ واسعٍ في السّنوات الأخيرة، ما زال يكشف لنا شيئًا فشيئًا تفاصيل تعمّق من فهمنا لما حدث في هذه المرحلة الانتقاليّة من حياة الفلسطينييّن. ومن المصادر الّتي توفّر لنا معرفة من هذا النّوع، إلى جانب التأريخ العائليّ والوثائق المؤرشفة، هي أرشيفات الصّحف الفلسطينيّة المختلفة، إذ تناولت الصّحافة الفلسطينيّة أخبار الحياة اليوميّة لسكّان المدن والقرى الفلسطينيّة كافّة، من حفلات الزّفاف والتّبريكات والوفيّات والمسابقات الرّياضيّة وحتّى المظاهرات أو الاشتباكات ضد حكومة الانتداب والاستيطان اليهوديّ.

في هذه المقالة، نستعرض لكم خلفيّة قصة نزاع بين عائلتين من العائلات الفلسطينيّة الكبرى في مدينة صفد خلال فترة الانتداب البريطاني، عائلتيّ قدّورة والنّحوي. إذ بدأنا بتتبّع هذه القصّة المبعثرة من خبرٍ مبهم ورد في صحيفة اللّواء في تاريخ 31 من كانون الثّاني عام 1936، مفاده بأن الخلاف الّذي بدأ بين هاتين العائلتين حول انتخابات البلديّة لم ينته بعد، بل تحوّل إلى نزاع ما زال يكبر، حتّى أن أهالي صفد وعكّا يطالبون مفتي البلاد (الحاج أمين الحسيني) بالتّدخّل من أجل إنهاء الأزمة!

رغم أنّ السبب الّذي يقترحه علينا النّص يبدو بديهيًا ومفهومًا، ألا أنّ القليل من البحث حول الأسماء الّتي وردت في الخبر يكشف لنا عن خلاف أوسع من مجرّد نزاع حول تسلّم سلطة محليّة. بل هو لربّما، مرآة صغيرة لصراعات ظهرت في صفوف الحركة الفلسطينيّة الوطنيّة في عصر الإنتداب، صراعات اتّخذت طابعًا عائليّا إلا أنها حملت في طيّاتها اختلافًا في الرؤى والممارسة الوطنيّة من جهة والصراع على النّفوذ والطّموح الفردي من جهة أخرى.

صحيفة اللّواء: 31  كانون الثّاني  1936
صحيفة اللّواء: 31  كانون الثّاني  1936

في نصّ الخبر، ورد اسمان: الشّيخ أسعد أفندي قدّورة؛ مفتي المدينة سابقًا وقاضيها في فترة الانتداب، وعلي رضا بك النّحوي؛ مأمور أوقاف شمال عكّا. وإنّ تتبّع الأخبار حول هذين الاسمين في الصّحف المتنوّعة كفيل بأن يظهر لنا شيء من طبيعة الاختلاف في توجّهات كلّ منهما كشخصيّتين من وجاهات المدينة منذ أواخر العهد العثمانيّ. إلّا أن مقالتين على وجه التّحديد ضمن سلسلة “في المرآة” في صحيفة مرآة الشّرق عام 1927 تعرضان سيرة كلّ من الرّجلين بشيء من النّقد والمديح، وقد نشرت المقالتين خلال شهرين متتاليين، مما يثير فضولنا أكثر حول هذا النّزاع العائليّ وتاريخه الممتدّ لأكثر من عشر سنوات. فمن هو الشّيخ أسعد أفندي؟ ومن هو علي رضا بك؟

قدّمت صحيفة مرآة الشّرق العشرات من المقالات الّتي عرّفت بالوجاهات الدّينيّة والشّخصيّات البارزة في الحلبة السّياسيّة الفلسطينيّة، فكانت سلسلة “في المرآة” مرجع اتأكت عليه العديد من الأبحاث في التّاريخ الفلسطيني والّتي وجدت في هذه المقالات معلومات أساسيّة حول أسماء وردت في سجلات وأوراق هامّة لكّننا لا نعرف عنها الكثير.

 

مرﺁة الشرق: 24 تشرين الثاني 1927
مرﺁة الشرق: 24 تشرين الثاني 1927

فهكذا مثلًا، اعتمد مصطفى العبّاسي في جزء كبير من تعريفه بفترة نفوذ الشّيخ أسعد أفندي في صفد على مقالة “في المرآة” حول الشّيخ أسعد أفندي عام 1927. إذ يتناول المقال سيرة الشّيخ ودراسته في الأزهر ومن ثمّ استلامه منصب مفتي صفد. ثم لا يتوانى كاتب المقال عن إبداء نقده بين السّطور في عدّة مواضعٍ، فيمدح به ويوقّره من جهة ومن ثمّ يعود لينتقده من جهة أخرى. فمثلًا، يصف حنكته الاجتماعيّة وتصرّفاته بين النّاس، “يدخّن كثيرًا ويشرب القهوة السّادة ويقول “القهوة السّادة للسّادة”، يستضيف أصدقائه ويتفقّد القربى ويستعرض الجماعات وقد يكثر الزّيارات ليلاحظ النّعرات الحزبيّة ويدرس القوم، ومن ثمّ يتحدّث عن انخراطه في الحركة الوطنيّة ويثني على قوميّته ودفعه وبذله أمواله في سبيلها، إلا أنه يعود ويذكّر بأنّه لم يقطع علاقته بالحكومة الانتدابيّة، ثم يلتمس له الأعذار. وهكذا طيلة المقال، يصفه بالشّجاعة والكرم تارة، وضعف العزيمة والإصرار على التربع في منصبه تارة أخرى. ويذكر المقال حنكة الشّيخ في التّعامل مع خصومه، إلا أنه لا يتطرّق لتلك الخصومات أو يتّخذ منها موقفًا.

في الشّهر التّالي، تقوم مرآة الشّرق بنشر مقالة من ذات السّلسلة “في المرآة” عن علي رضا بك النّحوي، سليل العائلة العلميّة منذ القدم في صفد، والّذي كان يعمل متصرّفًا في إربد، إلا أنه سئم الوظائف وقرّر أن يكون مدرّسًا للتعاليم الدّينيّة، كتبت هذه المقالة بأسلوب يختلف تمامًا عن تلك الأولى، إذ يعرض كاتبها جميع التفاصيل حول شخصيّة على بك رضا من خلال سرد تفاصيل لقائه بشخص غريب في مقهى فندق في القدس كأنه يحكي قصّة بأسلوب أدبيّ ماهر، إلا أنه من خلال هذه القصّة يلمّح لقضايا معيّنة ويحاول إيصال شكوى النّحوي حول عدم حصوله على وظيفة في حكومة الانتداب، وأن مثله لا يستطيع أن يحصل على الوساطة المناسبة، وأن هذه المناصب لا يحصل عليها إلا من كان متصلًّا بجمعيّة الشّبان المسيحيّين، وهي جهة منتقدة من قبل الوجاهات الدّينيّة والوطنيّة الفلسطينيّة.

 

مرﺁة الشرق: 8 كانون الأوّل 1927
مرﺁة الشرق: 8 كانون الأوّل 1927

نفهم من هاتين المقالتين أن في عام 1927 تمتّع الشّيخ أسعد قدورة بنفوذٍ أكبر في صفد كما بعلاقة أفضل مع حكومة الانتداب، خاصّة وأن المقالة ذكرت أن الشّيخ لا يغادر بلده إلا للضرورة القصوى، خوفًا على مكانته ومنصبه من المنافسين. في حين أن على بك رضا كان يعمل في شرق الأردن لسنوات، وكان قد عاد مجددًا إلى صفد كمعلّم دين بغير منصب ذو نفوذ. فما الّذي تغيّر حتّى عام 1936؟ وهل تنافس الرّجلان على انتخابات البلديّة؟ ولماذا استنجد أهالي صفد بمفتي البلاد لحلّ النّزاع بين العائلتين؟

ترقّبوا الجزء الثّاني!