نظرة على “سفر الخفايا” : “وهكذا تُرضون الملائكة في العلا”!

نظرة خاطفة على أحد الكتب العبريّة الفريدة من نوعها في التّاريخ، والّتي قُدّمت كذلك بالعربيّة اليهوديّة: سفر الخفايا الّذي اكتُشف عام 1963، والّذي يعلّمكم كيف تسخّرون الملائكة لتحقيق أمنياتكم!

المكتبة الوطنية الإسرائيلية
24.05.2021

قبل أن نطلق موادًا رقميّة تخصّ المخطوطات العربيّة اليهوديّة في المكتبة، وددنا أن نقدّم لكم نظرة خاطفة على أحد الكتب العبريّة الفريدة من نوعها في التّاريخ، والّتي قُدّمت كذلك بالعربيّة اليهوديّة: سفر الخفايا الّذي اكتُشف عام 1963، والّذي يعلّمكم كيف تسخّرون الملائكة لتحقيق أمنياتكم!

جميعنا نريد أن نشفى من أمراضنا، أن نعرف المستقبل أو حتى أن “ندخل حبّ رجلٍ في قلب امرأة”. يعدُكم كتاب “سفر الخفايا” القديم ان يكون خير دليل لكم لتحقيق كلّ هذا وأكثر. يقدّم “سفر الخفايا” رغم تسميته الغامضة تعليمات واضحة ودقيقة للغاية لتحقيق الأمنيات. وفي صفحاته يتّضح أن كلّ الامنيات ممكنة، فقط إذا تعلّمنا كيف نطلبها من الملائكة بالطّريقة الصّحيحة.

في حزيران عام 1963 تعثّر الباحث مردخاي مرجليوت ببعض الصّفحات المتآكلة في مجموعة “جنيزة القاهرة”[1] على اسم “تايلر شختر” في جامعة كامبريدج. وبين القوائم الّتي حملت أسماء الملائكة وجد مسألةً غريبة، معادلة من خلالها يعدُ الكاتب القرّاء بالفوز بسباقٍ للخيل وأن الخيول ستكون “سريعة الرّوح ولا تسبقها أرجل كائنات أخرى” إذا قام صاحب الرّهان  بأخذ صينيّة من الفضّة مكتوب عليها أسماء الأحصنة وأسماء الملائكة ووزرائهم ثمّ ثقال: “احلّفك أيّتها الملائكة الرّاكضة بين النّجوم والكواكب أن تضعي القوّة في هذه الخيول” ثمّ عليه أن يدفن الصّينيّة بمكان السّباق الّذي يريد الفوز فيه!

سباق الخيل وتعليمات الفوز بالرّهان – من مجموعة تايلر شختر جامعة كامبريدج
سباق الخيل وتعليمات الفوز بالرّهان – من مجموعة تايلر شختر جامعة كامبريدج

تفاجأ باحث الجنيزة بالأمنية الغريبة: لماذا قد يرغب أحدهم بإزعاج الملائكة في العلا لتحقيق امنية تافهة كالفوز برهان؟ بعد الاطّلاع على المزيد من الأمنيات التي رافقت هذه، فهم الباحث أنّه اكتشف أحد أقدم كتب السّحر “سفر الخفايا” بالعبريّة “هرازيم”. المرشد لأعمال السّحر الّتي تستعين بقوى الملائكة.

"هذه أسماء ملائكة المعسكر الثّاني الّتي تخدم "تيجرا": اخستر، مرسوم، برخيف، خمشو....". من مجمومة تايلر-شختر في جامعة كامبريدج.
“هذه أسماء ملائكة المعسكر الثّاني الّتي تخدم “تيجرا”: اخستر، مرسوم، برخيف، خمشو….”. من مجمومة تايلر-شختر في جامعة كامبريدج.

يصف سفر الخفايا الّذي تم تحقيقه علميًا ونشره عام 1966-1967 سبع سمواتٍ فوق الأرض. في كلّ سماء تستقرّ معسكراتٌ للملائكة. يعرض الكتاب أسماء رؤساء المعسكرات ووزرائها وأسماء الملائكة كلّها، مئات الأسماء، كما يعرض وظائفها وأعمالها ومسؤوليّاتها وما يلزم من أعمال وهدايا وأدعية حتّى تقوم بتلبية الرّغبات والأمنيات. هذا العمل الذي يدّعي أنه يشرح للقارئ تركيبة العالم الخفيّة يعرض معرفة كونيّة ما إلا أنّ ما يؤكّد عليه المؤلّف في كلّ صفحة هو أن سفر الخفايا يهدف لتوفير معرفةً عمليّة بالأساس، يستطيع من خلالها طالب الأمنية أن يحقق رغباته. على سبيل المثال: ماذا يطلب من الملائكة في كلّ سماء؟ تتراوح الأمنيات بين جعل امرأة تحبّ رجلًا، الشفاء من الأمراض، طرد الأرواح، تفسير الأحلام والرؤى، تنبؤ المستقبل، وحتى منح البصر أو سلبه من شخصٍ ما.

ملائكة السّماء الأولى مثلًا تنقسم بين معسكرين. المعسكر الأول يخدم وزير الملائكة رفانيئيل. وتلك الملائكة مسؤولة عن الطّب: فإذا كانت امنيتك تخصّ مسألةً في الطّب: “قف في السّاعة الأولى أو الثّانية من اللّيل وخذ بيدك البخور واللّبان على الجمر واذكر اسم الملاك الحاكم على المعسكر الأوّل واسمه رفانيئيل واذكر أسماء الملائكة الاثنين وسبعين أمامه سبع مرّات وقل : أطلبُ أنا فلان بن فلان أن يشفي دواؤك فلانَ بن فلان. وطهّر نفسك ولحمك من كلّ نجسٍ وفساد وكلّ ما ستطلبه بالكتابة أو بالقول سيُلبّى”.

أمام ذات المعسكر وفي نفس السّماء الأولى، توجد ملائكة المعسكر الثّاني الّتي تأتمر بوزير الملائكة “تيجرا”. واسمه يدلّ على اختصاصه: “هذه الملائكة الممتلئة بالغضب والحرقة، مسؤولة عن كل ما يتعلق بالحرب والقتال وهي قادرة على العقاب والتعذيب حتى الموت، ولا رحمة بهم، بل يقذفون بمن يأتي إليهم.  وإن طلبت إرسالهم على أعدائك أو على من يدين لك، او لقلب سفينة أو هدم جدار أو لأذيّة عدوّك، إن أردت نفيه أو إسقاطه عن سريره أو دبّ العمى في عينيه أو أن تُربط أقدامه أو تأذيه أي اذيّة: خذ بيديك مياه من سبع نافورات في اليوم السابع من الشّهر في الساعة السّابعة، خذ جرّة لم تخرج إلى النور قط، لا تخلط المياه سويًا، ضعها تحت النجوم لسبع ليالي وفي الليلة السابعة خذ كأسًا لأعدائك واسكب الماء فيها وخذ الجرّة وارمها في جهات السماء الأربع وقل للجهات :  “ههجريت” التي تجلس في الجهة الشرقية، “سروخيت” التي تجلس في الجهة الشّماليّة، “اولبا” التي تجلس في الجهة الغربيّة، و”كردي” التي تجلس في الجهة الجنوبيّة، “خذي الآن ما رميت إليك هذا لفلان بن فلان لتكسري عظامه وتمزّقي أعضائه وتكسريه كما تكسرين جرّة”.

برغم افتقارنا لنسخة متكاملة من سفر الخفايا، إلا أن النظرة الكونية الخاصة به حول السموات السّبع وصلتنا بوضوحٍ كافٍ. فكلّما تقدّم المؤلّف بالشّرح حول كلّ سماء وسماء يفهم القارئ أن قدرته على إخضاع الملائكة بهذه الأعمال تقلّ كلّما ارتفع بالسماوات إلى الأعلى. في السّموات الأقرب الأرض، أي الأكثر انخفاضًأ، توجد الملائكة الأقلّ شأنًا الّتي يمكن للإنسان أن يطلب منها تحقيق أمنياته الخاصّة. فقط تلك الملائكة تقوم بتنفيذ طلبات البشر. أما الملائكة في السماوات العالية فليس للإنسان عليها تأثير أو قوّة لأن القرب من اللّه، الّذي يجلس في السّماء السّابعة، تطغى على قدرة السّحر.

وهذه فاتحة الوصف للسماء السّابعة، الأعلى من كلّ شيء: “والسّماء السّابعة كلّها نور تشعّ منه القاعات، وبها العرش الأعلى تحيطه أربعة كائنات قدسيّة، وبها كنوز الحياة وكنوز النّفوس، وليس للنور الكبير فهمٌ ولا استبيان.  وهو ينير الارض كلها. والملائكة تمسك بعواميدٍ من نور. والنور يشعّ ولا ينطفئ لأن عيناها كلمع البرق وتقف على أطرافٍ من النور. يمجّدون بتقوى الواحد الذي يجلس على العرش الأعلى، لانه وحده يجلس في مقدسه. يحكم بالعدل واليقين ويتكلم بالاحسان. وأمامه كتب ناريّة مفتوحة. وأمامه أنهار من نار متدفّقة. ومن صرخته تتضعضع العواميد. ومن صوته تهتزّ الأبواب. وكلماته تقف أمامه. لا أحد يرى صورته لانه عصيّ على كل عين ولا يراه أحدٌ ويحيى. رؤيته عصّية على كلّ شيء ويرى كلّ شيء”.

سفر الخفايا مليء بالمفاجآت. ليس تلك المتعلّقة بالعلوم الخفيّة الّتي يعرضها فحسب، بل أيضًا نصوصٍ وأدعية غريبة على كتابٍ من المفترض أنه كتاب يهوديّ في نهاية المطاف. فمثلًا في وصف السّماء الرّابعة تظهر صلاة فريدة من نوعها في الأدبيّات اليهوديّة: صلاة لهلينوس، إله الشمس اليونانيّ. تهليلة لإله الشّمس تحاكي تلك الّتي تظهر في المخطوطات اليونانيّة.

وصف السّماء الرّابعة من مجموعة تايلر شختر في جامعة كامبريدج.
وصف السّماء الرّابعة من مجموعة تايلر شختر في جامعة كامبريدج.

 

الحديث مع الملائكة ووصف السماوات السّبع وصلوة مقتبسة من البرديّات اليونانيّة التي تعود للقرون الأولى بعد الميلاد – كلّ هذه المؤشّرات تطرح السؤال التّالي، من هو مؤلّف “سفر الخفايا”؟ نجهل إلى اليوم اسم المؤلّف ويرجّح أن اسم المؤلّف لم يكن معلومًا أيضًا في الفترة الّتي كُتب فيها الكتاب.  يرجّح مرجليوت، الباحث الّذي اكتشف أوراق الكتاب، أن الكتاب تألف في أرض كنعان بعد القرن الثّالث الميلادي في مدينة عاش بها يهودٌ ويونانيون على ما يبدو، إلا انّ هذا يبقى مجرّد تخمين. المؤكّد هو أن سفر الخفايا يعطينا لمحة هامّة وساحرة، إن جاز التّعبير، على العالم اليهوديّ-اليونانيّ قبل ظهور الإسلام.

على موقع المكتبة الوطنية نسخة رقميّة لمخطوطة يمنيّة تعود للقرن الثّالث عشر ميلادي لسفر الخفايا- هرازيم مكتوبة بالعربيّة اليهوديّة. إن كنتم تقرأون الحروف العبريّة – حاولوا قراءتها!

المخطوطة على موقع المكتبة الوطنيّة

 

 

[1] الجنيزة هي المكان الّذي تحفظ فيه الأوراق الّتي لا يجوز رميها في اليهوديّة لأنها تحتوي على اسم الله أو لأنها كتبت في موضوعات دينيّة. تم اكتشاف جنيزة تاريخيّة في كنيس في القاهرة تضم مجموعة ضخمة من المخطوطات العبريّة القديمة ومنها بعض أوراق سفر الخفايا المكتوبة بالعبريّة.

...تحميل المزيد من المقالات loading_anomation