الشيخ أمين طريف: رجل حمل همّ توحيد الطائفة الدرزية

كان الهمّ الدرزي الأول منذ العهد العثماني في فلسطين هو الاستقلال عن باقي الطوائف العربية والدينية، وقد قاد الشيخ أمين طريف منذ خمسينيّات القرن الماضي مهمة توحيد الطائفة الدرزية، فكيف نجح في أكثر بقاع الأرض صراعًا على مفهوم الاستقلال. نسلّط الضوء في تدوينتنا على هذه الحكاية ومراحلها.

المكتبة الوطنية الإسرائيلية
13.04.2022
الشيخ أمين طريف، 1961، أرشيف يتسحاك بن تسفي، المكتبة الوطنية

كان الهمّ الدرزي الأول منذ العهد العثماني في فلسطين هو الاستقلال عن باقي الطوائف العربية والدينية وذلك لاختلاف النهج الديني، الثقافي وكذلك الاجتماعي. في ذلك الوقت، بدأ استقلال الطوائف والأقليات الدينية في الأحكام القضائية والتشريعية الدينية، وقوانين الأحوال الشخصية. وقد استقلّ كذلك الدروز في سوريّة ولبنان وأصبح لهم محاكمهم ومجالسهم الدينية الخاصة بهم، باستثناء دروز البلاد الذين عانوا وجاهدوا في سبيل تحقيق توحيدهم واستقلاليتهم. لأجل ذلك، قاد الشيخ أمين طريف (1898 – 1993)، ابن قرية جولِس، هذه المهمة ومهمات أخرى لاحقة كانت تهدف إلى استقلالية المجالس القضائية، الدينية وحتى التربوية. كيف بدأت الحكاية إذن؟

في شتاء العام 1954، توجه الشيخ أمين طريف إلى مكتب رئيس الحكومة، موشيه شاريت حينها، مطالبًا إيّاه بالتدخل في شؤون الطائفة الدرزية في جبل الدروز في سورية وذلك كي يحميهم من هجمات أديب الشيشكلي. كان ذلك اللقاء في مدينة القدس، إلّا أنّه قوبل بالرفض من قبل الحكومة الإسرائيلية؛ إذ اعتبر حينها تدخلًا في الشأن السوري العام قبل الدرزي.

لقد تطّلع الشيخ أمين طريف إلى حماية الطائفة الدرزية في كل البلدان، فاعتنى بدروز لبنان وسورية كاعتنائه بدروز البلاد، كيف لا وهو الأب الروحي للطائفة عامة بعيدًا عن كل التقسيمات السياسية التي على ما يبدو اختار الشيخ – في بعض الأحيان – عدم الالتفات لها. في العام 1956، أصبحت الخدمة في الجيش الإسرائيلي خدمة إجبارية على دروز البلاد، وهذا القرار السياسي والعسكري مكّن الشيخ أمين طريف من استخدامه كورقة للضغط على الحكومة لحفظ حقوق الدروز، طقوسهم، أعيادهم، وحقّهم بتأسيس مؤسسات رسمية برئاسة درزية مستقلة، في ظل الحكومة الإسرائيلية كأقلية داخل البلاد. وقد واجه الشيخ العديد من العقبات كان من أبرزها أنّ الاعتراف باستقلالية الطوائف كان أمرًا متوارثًا من فترة فلسطين العثمانية، وقد أخذه الانتداب البريطاني كيفما كان سائدًا ولاحقاً استخدمته الحكومة الإسرائيلية.

لماذا لم يستقلّ الدروز في فلسطين في ذلك الوقت؟

بدأت القصة مع الوالي العثماني رشيد بك في بيروت وتحديدًا في العام 1909 إذ أوعز إلى القضاة المسلمين في مدينتيْ عكا وحيفا بعدم التدخّل في شؤون الدروز القضائية والأحوال الاجتماعية وإعطائهم كامل الاستقلالية كما هو الحال مع دروز لبنان، إلّا أن هذا الإيعاز قوبِل بالمماطلة لأنه لم يكن “فرمانًا” أي أمرًا قضائيًا من السّلطان أو حتى الباب العالي. لأجل ذلك، ربما قد عانى الدروز في القضايا التي تتعلق بالميراث، الزواج والطلاق وأمور أخرى داخل المحاكم القضائية الإسلامية أو المدنية أو غيرها من الجهات القضائية والتشريعية.

للمزيد حول الطائفة الدرزية، تصفحوا البوابة المعرفية لأرشيف مصوّر خاص بالدروز في زوايا المكتبة الرقمية

في العام 1957، نال الدروز الاعتراف، وذلك بفضل الشيخ أمين طريف، إذ تم الاعتراف بهم كطائفة مستقلة لها كامل الحق بإقامة مؤسساتها الدينية والقضائية، كباقي الطوائف في البلاد. ويخبرنا في هذا السياق الصحفي ومفتش المعارف السابق سلمان حمود فلاح في كتابه “أربعون عامًا من التعاون والعمل المشترك مع طيب الذكر المرحوم الشيخ أمين طريف“، أنّ الاعتراف بالدروز كان على مراحل، إذ تمّ أولًا الاعتراف بالطائفة بصورة قضائية. ثانيًا، وفي العام 1961، تم الاعتراف بها بصورة دينية روحية؛ حيث أصدر رئيس الحكومة ووزير الأديان أيضًا دافيد بن غوريون – في ذلك الوقت – أمرًا يسمح للدروز بتأسيس مجلس ديني برئاسة الشيخ أمين طريف وبعضوية كل من أحمد خير وكمال معدي.

 الشيخ أمين طريف برفقة مجموعة من المشايخ الدروز في ديوان رئيس الدولة يتسحاك بن تسفي، 13 تشرين الثاني، 1961، أرشيف بن تسفي، المكتبة الوطنية
الشيخ أمين طريف برفقة مجموعة من المشايخ الدروز في ديوان رئيس الدولة يتسحاك بن تسفي، 13 تشرين الثاني، 1961، أرشيف بن تسفي، المكتبة الوطنية

 

الاحتفال بتعيين المجلس الديني الدرزي في الديوان الرئاسي الإسرائيلي، 13 تشرين الثاني 1961، أرشيف بن تسفي، المكتبة الوطنية
الاحتفال بتعيين المجلس الديني الدرزي في الديوان الرئاسي الإسرائيلي، 13 تشرين الثاني 1961، أرشيف بن تسفي، المكتبة الوطنية

لم ينتهي المطاف مع الشيخ أمين طريف إلى هذا الحد، بل سعى أيضًا إلى توحيد شؤون الطائفة الدرزية في بلاد الشام كافة، في سنوات الثمانينيّات، استقبل الشيخ العديد من الوفود الدرزية على خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان للتشاور في الشؤون السياسية والقضائية الخاصة بالطائفة بعيدًا عن أيّ تدخل خارجي. وقد كانت الزيارات على شكل جولات دورية، تأخذ طابع المناسبات والزيارات الرسمية بالنسبة لأبناء المنطقة التي كان يزورها.

 لقاء درزي في هضبة الجولان، 1981، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنية.
لقاء درزي في هضبة الجولان، 1981، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنية.

 

اجتماع أبناء الطائفة في هضبة الجولان، 1981، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنية
اجتماع أبناء الطائفة في هضبة الجولان، 1981، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنية

فيديو لاجتماع  أبناء ومشايخ الطائفة الدرزية من البلاد، سورية ولبنان بقيادة الشيخ أمين طريف، 1998، أرشيف دان هداني، المكتبة الوطنية

https://www.nli.org.il/ar/video/NNL_MUSIC_AL004071306/NLI


ختامًا، قد يختلف البعض مع منهجية الشيخ أمين طريف باستقلال الطائفة الدرزية في البلاد، وقد يوافق جمع آخر مع منهجيته، إلا أنّ هذا لا ينافي مدى نجاح الشيخ بتوحيد الطائفة الدرزية والاستقلال بها في أكثر بقاع الأرض صراعًا على مفهوم الاستقلال. ويبقى السؤال الأول والأخير: كيف تسعى الأقليات بالاستقلال وحماية ذاتها؟ بالاندماج مع السلطات الحاكمة أو بالتمرّد عليها؟

للمزيد من المواد الرقمية حول الشيخ أمين طريف في أروقة المكتبة الوطنية

...تحميل المزيد من المقالات loading_anomation