القافلة تستجوب…

تابعت مجلّة القافلة، التي صدرت في القدس عام 1947، أخبار الشخصيّات الفلسطينيّة الاعتباريّة عرّفت القرّاء على النُخبة في زاوية "القافلة تستجوب".

الكاتب: خالد وليد أبو أحمد

 

تابعت مجلّة القافلة، التي صدرت في القدس عام 1947، أخبار الشخصيّات الفلسطينيّة الاعتباريّة، اتّبعتهم خطوة بخطوة، ونشرت أدقّ تفاصيلهم الشخصيّة، فقد سعت من خلال أعدادها على مُتابعتهم وتعريف القرّاء على النُخبة من أبناء الشعب الفلسطينيّ، من خلال زاوية كانت تدأب على نشرها دوريًّا بعنوان: “القافلة تستجوب”.

ضمن هذه الزاوية، استضافت المجلّة في كلّ مرّة، عددًا من الأطبّاء، المحامين، الأساتذة وغيرهم، فطرحت عليهم أسئلة مُشتركة لجمعيهم، ناشرة إجاباتهم على صفحاتها.

يوفر لنا العدد الصادر في الثلاثين من أيَّار 1947، إمكانيّة للتعرّف على ثلاثة أطبّاء فلسطينيّين وهم الدكتور توفيق كنعان، الدكتور محمود الدجاني والدكتور برهان عبد الهادي. حيث قابلتهم المجلة، فوجّهت خمسة أسئلة لهم، في هذه الأسئلة حاولت المجلّة التعرّف على الأطبّاء المعروفين من زاوية أخرى، فحرصت على التعرّف عليهم مهنيًّا وإنسانيًّا، فسألتهم حول الظروف التي ساقتهم إلى مهنة الطب، وعن رضاهم عنها، وما الذي يحفّز الأطبّاء على فتح عيادات لهم في القرى العربيّة؟ متسائلة إيّاهم عن المهنة التي كانوا سيختارونها لو عاد الزمن بهم؟ إضافة للموضوع الذي يميلون إلى القراءة في قراءته في أوقات فراغهم.

القافلة تستجوب أطبّاء ثلاثة – 30 أيّار 1947
القافلة تستجوب أطبّاء ثلاثة – 30 أيّار 1947

 

القافلة تستجوب مُحامين ثلاثة – 04 تمّوز 1947
القافلة تستجوب مُحامين ثلاثة – 04 تمّوز 1947

أما العدد الصادر بتاريخ الرابع من تمّوز 1947، فيوفّر لنا إمكانيّة التعرف على ثلاث محاميين وهم  المحامي أنور نسيبة، المحامي أنطون عطاالله والمُحامي أمين عقل. في هذا الاستجواب أيضًا حرصت المجلّة على توجيه أسئلة للتعرّف على فريق من المحامين، مستفسرة حول أسباب اختيارهم المُحاماة كمهنة لهم؟ وإذا ما كانوا يشعرون بانّ العقليّة “القانونيّة” تُسيطر عليهم في معاملاتهم مع الناس، وإذا كانوا يرون أنّه من الضروري تثقيف الشعب ثقافة قانونيّة؟ وكيف يكون ذلك؟ وحول رأيهم إذا كان من المُمكن أن يكون المحامي مشرّعًا أم لا، أم أنّ التشريع خاص بعلماء القانون؟ وآخر الأسئلة التي وُجّهت لهم كانت حول مطالعاتهم، وإلى أي مدى يتّسع وقتهم للمُطالعة؟ وماذا يُطالعون في أغلب الأحيان.

لم يكن عدد الثلاثين من أيّار ، هو الوحيد الذي استجوبت فيه “القافلة” الأطبّاء، ففي عددها الذي صُدِرَ في 22 آب 1947، وجّهت مجلّة “القافلة” لطائفة من أطبّاء فلسطين حول الموقف الأكثر إحراجًا الذي صادفهم إثناء قيامهم بمهنتهم؟ في هذا العدد استضافت المجلّة الدكتور حسام وفا الدجاني الدكتور مُصطفى بوشناق، وعلى هذا السؤال أجابوا ونشرته المجلّة على صفحتها الثامنة.

                                                   القافلة تستجوب الأطبّاء مرّة أخرى – 22 آب 1947

القافلة تستجوب الأساتذة – 29آب 1947
القافلة تستجوب الأساتذة – 29آب 1947

​أمّا في عددها الصادر في 29 آب 1947، فقد استجوبت المجلّة أساتذة عاملين في سلك التعليم، فاستجوبت فيه الاستاذ نهاد أبو غريبة والآنسة مقبولة مخلص، وفي هذا الاستجواب سألت حول الظروف التي ساقتهم إلى مهنة التعليم؟ وكيف ينال المعلّم المركز الاجتماعيّ اللائق به؟ وما هي الطرق الفعّالة التي ترونها صالحة لمحو الأميّة؟ وما الاتّجاه الحديث في التعليم؟ وحول إذا ما أثّرت المهنة في العلاقات مع الناس وكيف يكون ذلك؟

لا بُدَّ وأنّ المجلّة من خلال هذه الاستجوابات ارتأت أن تُساهم في تغيير الانطباع الجماهيري السائد حول الشخصيّات الاعتباريّة من أبناء البلاد، وأنّها سعت لتوعية الجمهور، وبالتالي لابدُّ وأنّ المجلّة حرصت على بناء وعي جماهيريّ، بالإضافة لتعريف الناس بنخب محليّة لتعزيز الشعور الوطنيّ والانتماء لبلد مليء بالشخصيّات المثقّفة، إضافة لتقريب هذه النخب من الناس، واستمالة هذه النخب عبر اعطاءها مساحة على صفحاتها للتعريف عن أنفسهم وعن مجالاتهم.

 

صوت المرأة العربية في يوم المرأة العالمي

بمناسبة يوم المرأة، تلفت هذه المقالة الأنظار للجهود الجماعيّة النسائية؛ حيثُ حملن الهمّ الوطنيّ والإنسانيّ في المجتمع الفلسطيني.

المؤتمر النّسائي للسيّدات العربيّات في فلسطين، الصفحة الرئيسيّة لجريدة الدّفاع، 17 تمّوز 1947، أرشيف جرايد.

 

في يوم المرأة العالميّ، حيث يحتفي العالم بمسيرة نضال النّساء حول العالم ومساعيهن إلى تحقيق ذواتهنّ ومساواتهنّ اقتصاديّا واجتماعيًا وثقافيًا، يكثر التذكير كذلك بأن تلك المساعي لم تكتمل بعد. وبأن المسيرة ما زالت طويلة وما زالت تستدعي التضحيات والجهود النسائية الحثيثة من أجل فهم سياقاتهنّ الآخذة بالتغيّر والوضوح مع مرور العقود، ومن أجل إعادة تشكيل وبلورة أساليب النضّال وصنع التغييّر في مختلف المجتمعات الانسانيّة والثّقافيّة.

ومع ذلك، لا بدّ من أخذ بعض الوقت للتأمل بما تغيّر من حولنا فيما يخصّ مكانة النّساء وفاعليّتهنّ في المجتمع، وأن نتذكّر سويّة بعض الرائدات من النساء العربيّات اللواتي قمن بأدوارٍ لا تنسى في إنارة العقول وإثراء الثّقافة العربيّة عامّة والفلسطينيّة خاصّة. وهو ما قمنا به في يوم المرأة العالميّ من العام الماضي. (للاطلاع عليها الرجاء الضغط هنا).

ارتأينا اليوم أن نتذكّر سويّة جهودًا جماعيّة نسائية، اذ تظهر لنا الصّحف الفلسطينيّة احتفاءً امتدّ لعقود بدور النساء العربيّات والفلسطينيّات بالشّراكة والقيادة في مختلف مجالات الحياة. إذ حملن الهمّ الوطنيّ والإنسانيّ الجامع كبوصلة لعملهنّ النسويّ المبكّر. وتشهد كذلك على وجود امتدادٍ عريق للعمل النّسويّ الجماهيريّ في فلسطين.

ثروت وملك ونعيمة واميلي؛ في الميدان كان عيدهن  

في يوم الثامن من آذار، نرى العديد من الأمسيات والمعايدات التي تمطر المرأة بعيدها الخاطف، وهذا لا يعني البتة بأن كل النساء كذلك، فخيرة من النساء العربيات في الأقطار العربية كان خيارهن خيار الميدان لتحصيل حقوقهن وكذلك حقوق غيرهن وكما أيضًا حقوق بلدهن، فهن دومًا كانوا عرين العروبة الذي واجه الاستعمار وكذلك المجتمع أحيانًا.

فجمعيّة السيّدات العربيّات الفلسطينيّة التّي تأسست في القدس عام 1929 لخدمة الأيتام والمحتاجين من أبناء الشّعب الفلسطينيّ بالبداية، لم تكتف يومًا بالعمل الخيريّ الذي استمرّت بتقديمه لعقود، بل كانت شريكة في المناصرة من اجل فلسطين منذ سنوات عملها الأولى، فلم تتردّد بالمشاركة في الإضراب التاريخيّ الذي خاضه الفلسطينيّون عام 1936، وقامت بتمثيل قضيّة فلسطين في المؤتمرات النسائية العربيّة لاحقًا في لبنان عام 1937 وفي القاهرة عام 1944 وعيًا بضرورة إشراك التكتلات النسوية العربيّة خارج فلسطين بقضيّتهن الوطنيّة أيضًا.

عضوات جمعيّة السيّدات العربيّات الفلسطينيّة برفقة هدى شعراوي، 1944 فندق                    الملك داود في القدس. من كتاب “جمعيّة السّيدات العربيّات”، 1985.

 

في عام 1945، كما أفادت جريدة الدّفاع، خرجت سيّدات دمشق في مظاهرة نسائية بالكامل، يرفعن الأعلام العربيّة واللافتات، يندّدن ويرفضن عقد معاهدة مع “فرنسا” التي كانت لا تزال قواتها في سوريا في ذلك الحين.

أمّا في القدس، فحضرت أكثر من ألف وخمسمائة سيّدة فلسطينية إلى مؤتمر السّيدات العربيّات الجامع في السادس عشر من تمّوز عام 1947. تفيد مقررّات المؤتمر بأن الغاية من عقده حملت وعيًا واضحًا بامكانية تجنيد النّساء لخدمة مساعي الشعب الفلسطينيّ حينها، من موقعها كعامود للاقتصاد الفلسطينيّ – اقتصاد العائلة. أدرك منظّمو المؤتمر كما يظهر في مقررّاته وفي خطاب حرم رئيس الهيئة العربيّة العليا، أن نجاح مقاطعة البضائع الأجنبيّة أو اليهوديّة والاكتفاء الذّاتي للفلسطينيين مرهونٌ بشراكة النّساء الفلسطينيّات وتدابيرهنّ. فقد جاء في قرارات المؤتمر إقامة لجنة اقتصاديّة مثلًا، تبحث في أسعار السّلع والمنتوجات الفلسطينيّة كيلا يعلو سعرها على المنتوجات الأخرى وتبقى خيار السيدات الأوّل في التبضّع. كما جاء أيضًا إقامة معارضٍ صناعيّة سنويّا للمنسوجات العربيّة عالية الجودة وحثّ النّساء على المقاطعة من جهة، وعلى ضمّ نساء أخريات ليلتزمن بالمزيد من التعليمات التي شدّد المؤتمر عليها، ومنها أيضًا حظر بيع الأراضي.

وفي شباط 1948، قدّمت صحيفتيّ الدّفاع وفلسطين التهنئة، وأثنت على عمل “الجمعيات النسوية بيافا”، إذ قامت الأخيرة بقيادة حملة للصليب الأحمر في يوم المرأة العربيّة بهدف جمع التبرّعات والأدوات اللازمة لتجهيز المستشفى الإنكليزيّ. فطفن بأرجاء المدينة ليطرقن الأبواب والدكاكين والمصالح لتحريك الناس وتهيئة المرافق اللازمة لخدمتهم من خير بلادهم. واشتمل ذلك على الأموال والحليّ وأنواعٍ أخرى من التبرّعات كالمعدّات المطبخيّة والصحون وحتى الكبريت والسّلال.

جريدة فلسطين، 24 شباط 1948، أرشيف جرايد.
جريدة فلسطين، 24 شباط 1948، أرشيف جرايد.

لم تكتف الجمعيّات النسوية بالتوجه إلى أفراد المجتمع من القاطنين والتجار وأصحاب المصالح بل توجّهت أيضًا لجمعيّات أهليّة أخرى كجمعيّة الإحسان مثلًا، للتعاون سويّة على استكمال نواقص المشفى من أسرّة ومعدّات طبّية. نرى هنا مسؤوليّة مجتمعيّة حملتها النساء لإعانة مجتمع بأكمله بل وتحريكه من أجل خدمة نفسه، بتدابير و”شطارة”، ليست غريبة على المرأة العربيّة. وهو ما أدركته الصحيفتان، ووصفته بالتفصيل لتذكر أسماء النّساء وكلّ ما قدّمت كلّ منهنّ للحملة في ذلك اليوم؛ثروت وملك ونعيمة واميلي وغيرهن..

بالتأكيد لا يخلو الأمر من الحساسيّات الخاصّة بكل مرحلة من تشكّل حركة نسويّة ما. فكما هو الحال حول العالم، تعاملت النساء الفلسطينيّات مع محاولات من قبل جهات مختلفة لقمع أعمالهنّ أو للتأثير على حياتهنّ وحركتهن والحد من إمكانيّاتهنّ، وهو ما تشهد تلك الصحف كذلك بعناد تلك التآلفات النسائية في العودة الى مواجهة تلك الجهات ومواصلة العمل.

ففي نابلس عام 1974، اعتصمت النساء وأعلنّ الاضراب احتجاجًا على “الاعتقالات والتعذيب والمس بالإنسان” ومساندة للإضراب الذي كان قد انطلق بالفعل في رام الله واستجابة للاتحاد العام لنقابات العمّال. إذ ذكرت صحيفة الاتّحاد في الرّابع عشر من أيّار “وتحوّلت قاعة بلديّة نابلس أمس الاول (الاحد) مسرحًا لنضال النساء ضد الاحتلال، حيث تجمّع عشرات النساء من امّهات وزوجات وأخوات وبنات المعتقلين، فأعلن اضراب جلوس استمرّ حتى ساعات الظّهر” وهو ما حدث في ساحة بلديّة رام الله قبل ذلك بأسبوع أيضًا.

اعتصام نسوي ضد الاعتقالات والتعذيب، جريدة الاتحاد، 4 أيار 1974، أرشيف جرايد

 

أمّا جمعيّة السيّدات العربيّات الفلسطينيّة الّتي فقدت مقرّها عام 1948، فعادت إلى نشاطها عام 1951 برئاسة زهيّة النّشاشيبي بافتتاح مدرسة لمحو الأميّة ومشاغل للخياطة وغيرها من المشاريع الّتي استمرّت الجمعية بالقيام بها حتى استقرّت من جديد في وادي الجوز عام 1980.

من رسائل زوّار مقرّ جمعيّة السيدات العربيّات في حي المصرارة. من كتاب “جمعيّة                                             السّيدات العربيّات”، 1985

شواهد بسيطة ومحطّات صعبة، قد يراها البعض كحوادث عينيّة لا تقول الكثير بالضرورة. لكنّها شكّلت في حينها بذور للعمل النسوي المستقل والمشتبك مع كافة قضايا المجتمع الذي هو فيه. عملٌ ما زال قيد المحاولة والعناد والمواصلة في يومنا. تقدنه نساء أخريات، قد نعرف بعضهنّ، ومعظمهنّ جنديّات مخفيّات يقمن بما قمن به ثروت وملك ونعيمة وأكثر..

عين على العرب؛ اليمن السعيد

تتناول سلسلة رسائل العرب مقالات من الصحافة العربية والتي هدفت إلى التعريف بالمدن والأقطار العربية، تهدف هذه الجزئية إلى التعريف بتاريخ وحضارة اليمن.

قامت الصحف الفلسطينية بتغطية أخبار اليمن بشكل كبير، إما لتوجهات عامة من أجل التعريف باليمن لكونه قطر عربي وله دوره العروبي أو من أجل التركيز على المكان الذي احتله اليمن في بناء وتطوير الحضارة العربية ومن ثم الدور القومي الذي كان اليمن جزءًا أساسيًا فيه. هنالك العديد من الأخبار الموجود حول اليمن وأدواره ضمن الوطن العربي وارتأينا في هذا المقال التركيز على جزء من صورة المشهد اليمني ودوره الحضاري في عيون الصحافة الفلسطينية خلال الفترة الانتدابية.

دولة اليمن (العربية الكبرى)

صحيفة الاتحاد العربي، 1 أيار 1926، أرشيف جرايد

تسلط صحيفة الاتحاد العربي تركيز قرّاءها على منطقة اليمن، فقامت هيئة التحرير بنشر مقال مفصل حول ذلك في عددها الصادر بتاريخ 1 أيار 1926، وتذكر فيها حول اليمن التالي:

“تعد بلاد اليمن من أخصب البلاد العربية تربةً وأجودها مناخاً وأحسنها نباتاً، ويقال أن سكانها يزيد عن عشرة ملايين. ومنذ تولى صاحب الجلالة الإمام  يحيى حميد الدين زعامة القسم الأعظم منها وهو يسعى ويجد بكل قوة لإنالة جميع البلاد اليمانية استقلالها التام تحت رعايته فبعد أن حازب الدولة العثمانية سنيناً طويلة انتهت بفوزه ونواله جل مطاليبه وقف على أثر إعلان الحرب العامة على الحياد وأصبحت القوات العثمانية من جنود وضباط ومدفعية وأسلحة ومعدات حربية مما كان في اليمن إبان الحرب العامة رهن إشارة الإمام يحيى حميد الدين الذي استفاد منها فوائد كبرى إذ تمكن أن يحفظ بلاده من اعتداء أي عدو ونظم أهل اليمن جيشاً عربياً كامل العدة والعتاد ومرّن أبناء قومه على الجندية النظامية بسنه قانون الخدمة العسكرية الاجبارية وجهّز جنوداً أحسن تجهيز وبقي كل مدة الحرب العامة ينظم أموره ويزيد قواه حتى أصبح في إمكانه أن يجهز جيشاً عرمرماً يؤلف من مائتي ألف مقاتل كاملي العدة والسلاح عدا عن قوى العشائر والبدو غير النظامية وعلى إثر انتهاء الحرب العامة، برز اليمن بجيش يمكنه القضاء على الامارات والسلطنات التي كان يلعب النفوذ الأجنبي دوره فيها فجهز حملات عسكرية لم تتمكن تلك الإمارات والسلطنات السخيفة من الوقوف أمامها بضعة أيام بحسن إدارة جلالة يحيى حميد الدين ومقدرته وقواه العسكرية تمكن من الاستيلاء على جميع البلاد اليمانية التي كانت تلاقفها الدسائس الأجنبية إلا عدن الصغيرة الواقعة على شاطئ البحر والتي الإنكليز من عهد بعيد وبعد أن استتب للإمام يحيى حميد الدين بسط حكمه ونفوذه على سائر البلاد اليمنية بما فيها سواحلها (عدا عدن) بدأ بتنظيم إدارة اليمن وتعميم المعارف والتعليم وأباح الحرية التامة للسكان في قضية المذاهب ولم يقتصر على ما عنده من مدافع ورشاشات وضباط وجنود منظمة بل هي باحضار الطيارات والسيارات المصفحة وسائر المعدات الحربية الحديثة ووسع معامل الخرطوش والسلاح الموجودة عنده من زمن طويل، ولا يزال جلالة الإمام يسعى لتقوية بلاده والسير بها نحو الحضارة لتتمكن من حفظ استقلالها التام والبعد عن النفوذ الأجنبي لأن الإمام ورجاله من أكثر ملوك العرب وأمرائهم حذراً من الأجانب فقد حاول الإنكليز مراراً أن يقيّدوه بمعاهدات سياسية كثيرة فكان بعد أن يدرسها الدرس العميق يرفضها رفضاً باتاً. وأخيراً عقد معاهدة تجارية مع دولة إيطاليا لاعتقاده بنفعها من الوجهة الاقتصادية وعدم مساسها باستقلال بلاده ومملكته.
ويعد الإمام يحيى من أكبر أغنياء ملوك العرب الحاليين إذ تقدر كمية النقود التي عنده والتي ادخّرها لأيام الشدائد بعشرين مليون جنيه ذهباً والإمام يحيى من كبار الرجال العظام في العصر الحاضر وهو يطمح بعد أن استتب له الحال في بلاد اليمن أن يقوم بخدمات كبرى لسائر البلاد العربية ويسعى الآن عطوفة المؤرخ الكبير أحمد زكي باشا مع الوفد الذي ذهب تحت رئاسته لعقد محالفة بين الإمام يحيى حميد الدين وجلالة عبد العزيز بن السعود ملك الحجاز وسلطان نجد ويكاد الوفد المشار إليه أن ينجح في مهمته فإذا نجح تصبح جزيرة العرب كتلة واحدة يديرها الملكان العربيان العظيمان يحيى حميد الدين وعبد العزيز بن السعود فتحفظ جزيرة العرب حريتها واستقلالها من طمع الطامعين وجشع المستعمرين وإنا لنعتقد ان جلالة الإمام لم يقدم على إمضاء المعاهدة التجارية مع دولة إيطاليا إلا بعد أن قتلها بحثاً وتدقيقاً بعد أن أمت عدم مساسها باستقلاله وحريته لا كما يظن البعض إن في هذه المعاهدة التجارية بسط نفوذ إيطاليا على اليمن، كلا وألف مرة كلا؛ فأهل اليمن وفي مقدمتهم صاحب الجلالة الإمام يحيى أحرص الناس على استقلال وطنهم وحريتهم من سائر أهل الأرض وغاية ما ترجوه من جلالة الإمام أن يبادر حالاً لإرسال سفرائه ووكلائه إلى سائر عواصم أوروبا بعد أن يقوم بتشكيل وزاراته الخارجية والداخلية وغيرهما على نسق الدول الحديثة ليتم له بذلك اعتراف الدول باستقلال مملكته وأن يسير بأمته وبلاده إلى المدنية الصحيحة والرقي الحقيقي فيعيد للعرب مجدهم وعزهم الغابر وما ذلك على همته بعزيز”.

النهضة العربية واليمن

صحيفة الجزيرة، 26 شباط 1925، أرشيف جرايد

اختارت صحيفة العرب أن تركز على موضوع النهضة العربية في اليمن من أجل التذكير بالدور اليمني في نهضة العرب وقد تم نشر المقال في عددها الصادر بتاريخ 24 أيلول 1932:

“لعل قليلاً من رجال العرب يعرفون الشيء الكافي عن سير القضية العربية بالنسبة إلى اليمن، بل ربما ظن الكثيرون أن النهضة العربية تكاد تكون منحصرة في الجزء الشمالي من بلاد العرب، على حين أنها في الجزء الجنوبي أقدم عهداً في رفع الصوت، وأسبق في حمل لواء الجهاد وامتشاق الحسام في سبيل الاستقلال.
فبينما كانت الأقطار العربية الأخرى في أواخر القرن الماضي حتى أوائل الحاضر تغط في نومها تحت حكم العثمانيين الترك، راضية بما قسم لها من عيش هنيء وحياة هادئة، فإذا هي تنهض على صوت الأبواق والطبول وجمع الجنود وتسييرها إلى أين إلى اليمن، ولماذا؟ لأن اليمن أعلنت العصيان على حكومة الترك، والإمام يحارب الترك، أنه يطلب جلائهم عن البلاد. هذا الذي كان يتردد على الألسنة بين آونة وأخرى وكل بضع سنوات. ولقد كان موضع الدهشة والاستغراب في تلك الأحايين أن يرفع قطر من الأقطار العربية صوته عالياً وأن يناضل ويقارع في طلب الاستقلال والتحرر من حكم العثمانيين. أليس هذا هو الواقع؟ أظن أكثر القراء شاهد هذا بأم عينيه ولا يزال يذكر ما أريق من دماء وأزهق من أرواح. أليس هذا هو بدء النهضة العربية الحديثة؟ أليست من اليمن ورجال اليمن هم من أول من حمل لواءها وخاض غمارها. إنه لا يسع الكاتب المنصف والقارئ المدقق إلا أن يعترف لليمن ورجال اليمن بفضل السبق والتقدم في هذا المضمار. وعلى رأسهم، جلالة الإمام يحيى. ليست قضية استقلال اليمن بالأمر السهل أو الحركة البسيطة فلقد ظلت اليمن عشرات السنين في عهد الإمام المنصور، وعهد نجله وخلفه الإمام يحيى بن محمد حميد الدين إمام اليمن الحالي أيّده الله، في عراك دائم وحرب طاحنة مع الترك كلّفت كثيراً من مال ودماء، بينما السكون كان شاملاً الأقطار العربية الأخرى. حتى وصلت اليمن في أواخر الحرب العالمية إلى استقلالها وتحررها من حكم الترك.
ومما هو جدير بالإعجاب أنه عندما اشتعلت نيران الحرب العالمية انقطعت الموالات بين مراكز الحكومة التركية وجيوشها الرابطة في اليمن بسبب دخولها الحرب، لقيت هذه الجيوش من جلالة الإمام كل عناية ورعاية، وأمدها بكل ما كانت تحتاج إليه من معاونة زمن الحرب، فضُرب بذلك المثل الأعلى للغيرة الإسلامية والشهامة العربية. وقد كان بإمكان جلالته والفرصة سائحة أن ينجز الحساب مع خصمه القديم وبرغم الجهود الجبارة التي يبذلها خصوم الترك لحمل كل من كان تحت سلطانهم على مناوءتهم، فإن الدسائس الأجنبية لم تجد جواً صالحاً لها في بلاد اليمن بفضل بعد نظر جلالته وحنكته، وهكذا انال بلاده استقلالها من أشرف الطرف وأصبحت صنعاء اليمن في نهاية الحرب العالمية عاصمة العربية السعيدة السعيدة المستقلة، ومليكها جلالة الإمام يحيى حميد الدين أيده الله إمام اليمن الحالي، وسيكون حديثنا إلى القراء في الرسالة الآتية عن اليمن منذ انتهاء الحرب العامة حتى يومنا هذا بإيجاز إن شاء الله ثم ننتقل إلى تناول شؤون أخرى عديدة.”

هنالك العديد من المقالات، الأخبار والمراسالات التي تختص بالشأن اليمني خلال النصف الأول من القرن العشرين، لتصفح المزيد من أخبار اليمن يمكن الولوج إلى موقع جرايد والإبحار فيه حول كيف قامت الصحف الفلسطينية بتغطية أخبار اليمن. ومن يريد أن يقرأ بعض المعلومات الطريفة عن اليمين السعيد يمكنه الضغط هنا.

عين على العرب في صحيفة العرب- البحرين

تتناول سلسلة رسائل العرب مقالات من الصحافة العربية والتي هدفت إلى التعريف بالمدن والأقطار العربية، وفي هذه الجزئية نتناول مقال صحيفة العرب، التي كان على رأس تحريرها الأستاذ عجاج نويهض، والتي عملت على التعريف بالبحرين؛ من ناحية السكان والثقافة والاقتصاد

صورة مقتبسة من التقرير الإداري لحكومة البحرين عن السنوات 1942-1943، المكتبة البريطانية
الشيخ محمد بن عيسى الخليفة برفقة وفد يرأسه مستشار الحكومة البريطانية دوق ديلريمبل بيلغراف، صورة مقتبسة من التقرير الإداري لحكومة البحرين عن السنوات 1942-1943، المكتبة البريطانية

في افتتاحية عددها الثالث الصادر بتاريخ 10 أيلول 1932، تقف صحيفة العرب ورئيس تحريرها الأستاذ عجاج نويهض عند الأحداث التي تعصف في العالمين؛ العربي والإسلامي، فتُسلّط الضوء على ما يجري لعلها تعمل على إيقاظ الشعوب المستعمَرة لما يجري من حولها من أحداث ترسم حاضر المنطقة ومستقبلها. فنرى تحية الصحيفة للزعيم السوري إبراهيم هنانو وأمانيها له بالشفاء العاجل، بعدما تعرّض لمحاولة اغتيال آثمة كادت أن تلقيه حتفه، قد غطّت ترويسة الصحيفة وأخبارها. أما الأمر الآخر الذي تتميز فيه الصحيفة، فهو تعريف القارئ والمطالع العربي بأقطار العالم العربي من خلال التعرّف على البقاع الجغرافية العربية وأهم صفاتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لمحاولة فهم طبيعة الشعوب فيها، فهذه الزاوية الحيوية التي تميّزت فيها الصحيفة تعكس رغبتها الحقيقية في تغطية الشؤون الإقليمية المحيطة بالقُطر الفلسطيني. ولأهمية هذه الفقرة التي نشرتها الصحيفة قبل ما يقارب التسعين عامًا. وضعنا هدفنا في نشر سلسلة أطلقنا عليها اسم سلسلة رسائل بلاد العرب، وذلك باقتباس اسم الزاوية الصحفية التي نشرتها صحيفة العرب والتي قام فيها مراسل صحيفة العرب بزيارة المكان والكتابة حوله.  في هذه المرة اخترنا النشر حول البحرين، فما الذي قيل حولها يا ترى؟

العدد الثالث من صحيفة العرب، 10 أيلول 1932

 

البحرين جزيرة أم جزيرتان؟

“البحرين جزيرتان، الأولى وهي الكبرى عدد سكانها مع قراها لا يتجاوز مئة وثلاثين ألف نسمة، والأخرى سكانها من 90-100 ألف وموقعها من الخريطة معروف. أما سكان الاثنتين، فيكادون ينقسمون إلى قسمين اثنين في المدينتين (مدينة المنامة ومدينة المحرق)، إحداهما ترجع إلى أصل عربي في العادات واللغة مع وجود كلمات أعجمية وهندية وإنكليزية غير قليلة والثانية ترجع إلى أصل فارسي. وأما القرى في كلتا الجزيرتين، فسكانها من الشيعة، وهم البحرينيون الأصليون، حتى إنهم يعدّون كل من عداهم حتى شيوخ آل خليفة –حكام البحرين- دخلاء، لا يرضون عن أحد منهم مطلقًا، ولغتهم هي العربية، وعيشتهم قريبة من عيشة أهل البادية”.

رسالة البحرين، صحيفة العرب، العدد الثالث بتاريخ 10 أيلول 1932

الزراعة عند البحرينيين؛ زراعة تقليدية وزراعة دخيلة
“البحرينيون الأصليون هم المزارعون في كلتا الجزيرتين، والزراعة عندهم مقتصرة على النخيل، والقت الذي هو (القصفصة) غذاء الدواب ولا غذاء غيره، إلا ما يؤتى به من الخارج من حبوب على اختلافها. وفي السنوات الأخيرة، تشوق بعض الغرباء الأعيان أصحاب الأراضي لزراعة الخضار ولا تزال أنواع عديدة من الخضار مجهولة عند البحرينيين”.

مدن البحرين- المنامة والمحرق

أما سكان المدينتين، “المنامة والمحرق، فلا يعملون إلا في الغوص، ويترفعون عما سواه من زراعة وتجارة، والغوص في العامين الأخيرين أصبح تجارة بائرة (لا نفع منها) وقد أفلس كثيرون ممن كانوا من أصحاب الثروات الطائلة. والذين يملكون معاشهم بسبب نقد أقل من السبع أو الثُمن من مجموع السكان، وإذا كانت الزراعة بأيدي البحرينيين الشيعة فإن التجارة في أيدي الأعاجم من فرس وهنود، والصناعة كذلك ما دام أخونا العربي يعدّ نفسه فوق أن يصنع وأعلى من أن يتاجر”.

مشاكل البحرين؛ الأمية والترفع عن الصناعة والتجارة

بناءً على كلام المراسل آنذاك “الأمية عامة شاملة والقراءة والكتابة منحصرتان في اثنين أو ثلاثة بالمئة من مجموع السكان، وربما كانتا في الألف، على أنهما في حكم المعدوم ولا أراني مبالغًا إذا قلت أنه لا يوجد في سكان البحرين إلا قليل من الرجال الذين يعتادون المطالعة، وأحد شيوخ آل خليفة هو الأديب الأوحد في البحرين وعمره قريب من الثمانين واسمه الشيخ إبراهيم بن محمد وولداه، وهؤلاء الثلاثة هم الذين يقرأون الصحف وقد سمعتُ أن صحفًا كثيرة ترد لآخرين من الشيوخ لكنهم لا يقرأونها إلا قليلًا، اللهم إلا أخا الحاكم الشيخ محمد ابن عيسى ولم أسمع بواحد من غير هؤلاء يدمن المطالعة”.

قارب لصيد اللؤلؤ، صورة مقتبسة من التقرير الإداري لحكومة البحرين عن السنوات 1926-1937، المكتبة البريطانية.

للبحرين تاريخ طويل وباع طويل في الصيد وخاصة صيد اللؤلو، وهذا جعلها مطمع للكثير من المناطق المجاورة والبعيدة؛ من الفرس وحتى الإنكليز، وهذا ما جعلها مسرح للعديد من اتفاقيات الحماية والاستعمار. في جرايد– أرشيف الصحف العربية من فلسطين العثمانية والانتدابية، هنالك العديد من الأخبار والعناوين التي تشرح الكثير حول البحرين وكيف كانت النظرة حولها؛ سواء نظرة الصحافة العربية أو تحليل الصحافة العربية لنظرة الاستعمار حول هذه البقعة من العالم العربي. لتصفح أخبار البحرين التاريخية بالصحافة الفلسطينية، اضغطوا هنا